علي بن عبد الله السمهودي
156
جواهر العقدين في فضل الشرفين
وانقشاع سحب الغفلة ، وإشراق شمس البصيرة ، فلا يدعهم تقواهم للاصرار على معصية مولاهم ، بل ربّما كان حالهم بعد المخالفة أتمّ من حالهم قبلها ، لعظيم ما ينشأ عن ذلك من الذّلّة والانكسار ، وعظيم الخضوع والالتجاء للمولى عزّ وجلّ ، وذلك هو الحكمة في جريان المخالفة [ 28 ظ ] عليهم كما أشار إليه بعض العارفين ، وقد قال تعالى : ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) « 1 » ، فأفهم أنّهم قد يدخلون في الظّلمات ، ولكنّ اللّه لولايته إيّاهم يتولى إخراجهم كما قال في الآية الأخرى : ( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ الآية ) « 2 » . وهو مسوق مساق المدح لهم . وعن هذا قال بعض العارفين : من سبقت له العناية لم تضرّه الجناية ، وأمّا من يصرّ على الذّنوب الظّاهرة والباطنة فلم يمازج العلم منه الجنّان ، وإن حصل منه على لقلقة اللّسان ، وهو المضروب له المثل بقوله تعالى : ( كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ) « 3 » ، وهو المعني بحديث أسامة بن زيد مرفوعا : ( يجاء بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع أهل النّار عليه
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية : 257 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية : 135 . ( 3 ) سورة الجمعة الآية : 5 .