ابن حزم

158

جوامع السيرة النبوية

وأمر عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن عتيك ، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان . فنهضوا حتى أتوا خيبر ليلا ، وكان سلام ساكنا في دار مع جماعة ، وهو في علية منها ، فتسوروا الدار ، ولم يدعوا بابا من أبوابها إلا استوثقوا منه من خارج ، ثم أتوا العلية التي هو فيها ، فاستأذنوا عليه ، فقالت امرأته : من أنتم ؟ فقالوا : أناس من العرب فقالت : هذا كم صاحبكم فأدخلوا . فلما دخلوا أغلقوا الباب على أنفسهم ، فأيقنت بالشر وصاحت ، فهموا بقتلها ، ثم ذكروا نهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن قتل النساء ، فأمسكوا عنها ؛ ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقد على فراشه ، أبيض في سواد الليل كأنه قبطية « 1 » ، ووضع عبد اللّه بن عتيك سيفه في بطنه حتى أنفذه ، وعدو اللّه يقول : قطني قطني « 2 » . ثم نزلوا . وكان عبد اللّه بن عتيك سيئ البصر ، فوقع فوثئت رجله وثئا شديدا ، فحمله أصحابه حتى أتوا منهرا من مناهرهم « 3 » ، فدخلوا فيه واستتروا . وخرج أهل الآطام ، وأوقدوا النيران في كل وجه ، فلما يئسوا رجعوا ، فقال المسلمون : كيف لنا وأن نعلم أن عدو اللّه قد مات ؟ فرجع أحدهم ، ودخل بين الناس ، ثم رجع إلى أصحابه فذكر لهم أنه وقف مع الجماعة ، وأنه سمع امرأته تقول : واللّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ، ثم أكذبت نفسي وقلت : أنى ابن عتيك بهذه البلاد ! ثم إنها نظرت في وجهه فقالت : فاظ وإله يهود . قال : فسررت ، وانصرف إلى أصحابه فأخبرهم بهلاكه ، فرجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبروه وتداعوا في قتله ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : هاتوا سيوفكم . فأروه إياها ، فقال عن سيف عبد اللّه بن أنيس : هذا قتله ، أرى فيه أثر الطعام .

--> ( 1 ) القبطية : ثياب من كتان منسوبة إلى القبط وتجمع على قباطى . ( 2 ) قطني قطني : أي حسبي وكفاني هذا والنون هنا للوقاية حتى ينطق بسكون الطاء . ( 3 ) المنهر : الشق في الحصين وهو شق نافذ يخرج منه الماء .