علي بن محمد ابن سعود الخزاعي
12
تخريج الدلالات السمعية
أحيطت بدعوى المهانة كالحجامة والحياكة وغيرهما ، ثم يقف المؤلف مدافعا عن مثل هذه الحرف بما يورده من أحاديث وآثار ؛ كذلك فإن من السذاجة أن يقف المرء ليجيب : هل كان في عصر الرسول خياطون ، وهل كانت الخياطة بدعة ؛ أقول : لم يقصد المؤلف شيئا من ذلك - فيما أعتقد - وإنما رأى أنه يستكمل ضروب النشاط في مجتمع العهد النبوي إذا هو عرّف بهذه الحرف والصنائع وبمن كان يتولاها . إن الايحاء الذي يستمده قارىء « تخريج الدلالات » بأن المؤلف في النهاية ينتهي إلى « إجلال » ضروب الممارسات التي تحدّث عنها ، لأنها مورست في عهد الرسول ، يجب ألا يقلل من شأن الكتاب ، فالكتاب حلقة في سلسلة من كتب معاصرة تحدثت عنها في غير هذا الموطن : منها مقدمة ابن خلدون ورسائل لسان الدين ابن الخطيب في السياسة والشهب اللامعة لابن رضوان وواسطة السلوك لأبي حمّو - وربما ظهر غيرها - وكل تلك الكتب صورة لتفتح العبقرية المغربية تحت أضواء التاريخ ، لتمثل تنظيرا وتطبيقا لفكر سياسي أصيل ، وظهور هذه الكتب في عصر واحد ، يومىء إلى جيشان فكريّ خاصّ ؛ فإذا كان ابن خلدون يستمد من مفهومه للتطوّر آراءه في الدولة وفي السياسة ، وإذا كان ابن رضوان يستعيد النهج الأخلاقي التطبيقي في سياسة الدول ، وإذا كان أبو حمو يعتمد التجربة الواقعية « الوصولية » مسلكا لتسويغ طموحه ، فإن الخزاعي يوحي لأول وهلة بالعودة إلى الأصول : كل هذا الذي نراه من نظم أقرّه الإسلام منذ البداية ، ولذلك فنحن في تطبيقه لا نخرج عن ما رسمه ذلك الدين . ولقد يفهم من موقف الخزاعي أنه لا يؤمن بالتطور ، ولكن ذلك غير صحيح ، فإن إيمانه الضمني بالتطور هو الذي يدفعه للبحث عن الحقائق في بدايات نشأتها في ظل الإسلام . وإن اتكاءه على الحديث الصحيح - بعد القرآن - يدلّ على أنه كان يؤمن بأن نواة كل نظام موجودة في أقوال الرسول وأفعاله . ومهمته أن يقتنص الأخبار ويقيدها ، فيحدثنا مثلا أن الجيش في زمن الرسول كان يتألف من ميمنة وميسرة وقلب وساقة ومقدمة ، ويبهرك بهذا الخبر الذي يجد سنده في السير والأحاديث ، وتلك هي غايته ، ولا دخل له بأي تغيير حدث في نظام الجيش بعد ذلك ، وهل كان ذلك التغيير مما يقره الرسول لو شاهده ؛ وهو يحدثنا بأن الشفاء كانت في زمن عمر تتولى الإشراف على السوق ، أي تؤدي وظيفة المحتسب ، ولكنه لا يتساءل أبدا عن مدى ما يمكن أن تتولاه المرأة من خطط ، وهل تستطيع أن تتجاوز وظيفة المحتسب إلى غيرها من