القاضي عبد الجبار الهمذاني

316

تثبيت دلائل النبوة

وصار من بلدان الاسلام كمولتان والمنصورة وغيرها من المدن والأمصار البحرية ما هو معروف ، وشرحه يطول ، ومن طلبه وجده . فقد اعتبر العلماء وأهل التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجيء نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم في الوحدة والفقر والفاقة ومنافرة / الأمم كلها ومعاداتها ، حتى ما اعتصم بمخلوق ولا صوب ملكا ولا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك ، ثم صار أمره في القهر والغلبة ما صار أمره إليه . فإن ظاهر الأمر وموجب التدبير والعقل أن ذلك لا يتم ولا يكون ، وأنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل اللّه الذي لا يغلبه شيء . فإن أمره صلّى اللّه عليه وسلم كان كريشة دفعت الجبال فسيرتها وطيرتها ، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها وسوتها بالأرض . فتأمل هذه الآية العظيمة ، وكل آياته عظام . وما قلنا إنه نبىّ لأن دعوته قامت ودولته اتسعت ، ولكن لما قدمنا وشرحنا من وحدته وفقره وتبرئه من الأمم وإكفارهم وإسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة ، ومجيء ذلك كما قال وأخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره اللّه عز وجل ، وقد علم ذلك من سمع أخباره ودعوته باضطرار ، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره قبل أن يكون شيء « 1 » منه وأن الأمر كان كما أخبر . ومعروف من سيرته أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل وفي المواسم ليتبعوه ، ويشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها ومحاربة الملوك ، فيقال له : إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا ولا تصبر عليه ولا نحن من رجال معاداتهم ومعاداة غيرهم من الملوك ، فيقول : أرأيتم إن منحكم اللّه ملكهم وأفرشكم نساءه أتطيعونه وتعبدونه ؟ فيتعجبون من هذا القول ، ويقول

--> ( 1 ) في الأصل : شيئا