القاضي عبد الجبار الهمذاني
317
تثبيت دلائل النبوة
بعضهم لبعض : ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة وقد ناصبه قومه وهو / يقول هذا ، ويقول بعضهم ما هو إلا عاقل ، فإن كان رسولا للّه كما قال فسيكون ذلك ، فيقال : بمن يكون هذا ، وأين خزائن الملوك وعساكرها وغضبها لملكها وأنفتها وكبرياؤها ونخوتها حتى يترك هذا يغلبها ، ولهذا قال اللّه تعالى : « وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا » « 1 » . ولشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن ، أنه عليه السلام لما توفي وارتدت العرب ، جال أهل مكة جولة ، وهمّوا بالردة ، فاستخفى عتّاب بن أسيد عامل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على مكة « 2 » ، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا ونهاهم عن ذلك ، فقالوا : محمد قد مات والناس قد رجعوا عن دينه ، فقال لهم سهيل : إن يكن محمد قد مات فإن اللّه لم يمت . وقد علمتم أني أكثركم قتبا في برّ وجارية في بحر ، فأقروا أميركم ، وأنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردّها عليكم جذعة وإن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها . قالوا ومن أين علمت ، قال : إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له ولا عزّ ، قام في ظلّ هذا البيت فقال : اني رسول اللّه ، وإني سأظهر ، فكنا بين ضاحك وهازل وراجم ومستجهل ، فما زال أمره ينمى ويصعد حتى دنّا له طوعا وكرها ، واللّه لو كان من عند غير اللّه لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش ، وإن هذا ، وأشار إلى أبي سفيان ، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم ، ولكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب . وسهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي
--> ( 1 ) القصص 57 ( 2 ) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ، من أشراف العرب في صدر الإسلام ، أسلم يوم فتح مكة واستعمله النبي عليها عند خروجه إلى حنين سنة 8 ه . وبقي واليا عليها إلى في خلافه عمر ، توفي سنة 13 ه .