القاضي عبد الجبار الهمذاني
72
تثبيت دلائل النبوة
وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي « 1 » . وقد وضع سهل بن هارون بن رهبونة « 2 » الكاتب الفارسي صاحب المأمون ، كتاب « ثغرة وثعلبة » ، يعارضه به كتاب « كليلة ودمنة » ، وجعله على ألسن الطير والبهائم ، وذكر فيه حكم العرب كما صنع ابن المقفع « 3 » في كليلة ودمنة عن هذا / الذي سماه برزوي الطبيب ، فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء صلى اللّه عليهم في أديانهم . وقد دار في أيدي قوم من المنجمين كتاب زعموا انهم وجدوه لجابان منجّم كسرى ملك فارس ، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوّة تحدث في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة . فذكر أيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أيام أبي بكر الصديق ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رضي اللّه عنهم ، ولم يذكر أسماءهم ، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا . فافتتن به المنجمون حتى ظنوا ان « 4 » صنعتهم حق ، وأنها تؤدي إلى علم ، وفتنوا بذلك خلقا كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب ، وجعلوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها ، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحاق بن فليت اليهودي أحد
--> ( 1 ) هو أبان بن عبد الحميد بن لاحق ، شاعر مكة ، اتصل بالبرامكة ومدحهم ونظم لهم كليلة ودمنة شعرا وكتبا أخرى فارسية ، توفي سنة 200 ه . دائرة المعارف الاسلامية 1 : 16 والاعلام 1 : 20 . ( 2 ) كاتب بليغ فارسي الأصل ، ومن واضعي القصص ، ولاه المأمون رئاسة خزانة الحكمة ، وكان شعوبيا يتعصب للعرب على العجم . معجم الأدباء 4 : 258 ، فوات الوفيات 1 : 181 . ( 3 ) كتب المعلق في حاشية الكتاب العبارة التالية : « في نسه ذلك إلى المفيد وقد قال الناس ان الذي حكاه عن هذا الرجل الذي سماه » . ( 4 ) في الأصل : انهم ، ولعل الصواب ما أثبتناه .