القاضي عبد الجبار الهمذاني
71
تثبيت دلائل النبوة
ونسب بعضها إلى الهند ، وبعضها إلى الروم ، وبعضها إلى اليونانية ، وبعضها إلى القبط ، وبعضها إلى النبط ، وبعضها إلى الفرس ، فإنما وضعها الواحد بعد الواحد ، وزعم أنه وجده لأهل تلك اللغة ، وزعم أنه عالم بتلك اللغة فنقله ، فهو امر لا يقع به علم وليس معنا أكثر من دعوى هذا الواضع ، فبمقدار ما يكتبه ويترجمه ويلقيه إلى الورّقين فيدور / في أيدي الناس فيقول من لا علم له ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له إلى طرق أهل العلم : هذا من كتب الأوائل ؛ فاعرف هذا ، فإنه باب كبير وكل أحد أمس الحاجة إليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس ، وأعداء الاسلام كثير ، وهم بينهم ، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون . فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في أيام بني العباس ونسبت إلى أمم العجم ، لا سبيل إلى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل ، وانما كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ووصايا السلف بعده ، ولعله انما اخذ ذلك وحصّل معانيه من القرآن ومن حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وغيّر اللفظ ونسبه إلى أمم العجم والعلماء . وأهل التحصيل يتهمون عبد اللّه بن المقفع فيما وضعه من « كليلة ودمنة » وكتاب « اليتيمة » ، وما زعم أنه وجده للفرس ، فقالوا : ما معنا في هذا أكثر من الدعوى ، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم ، فارسي الأصل ، قد جرى من المجوسية على عرق ، فقد كان فيها طويلا ، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها ، متعصب لقومه ، قد أسلم بعد الكبر ، وكان متهما في دينه .