القاضي عبد الجبار الهمذاني

57

تثبيت دلائل النبوة

« وانشق القمر » ، فجاء بأمر قد كان وانقضى ومضى فنسق على الماضي بالماضي ، ولو كان على ما ظنّ النظّام لقال : اقتربت الساعة وانشقاق القمر ، أو كان / يقول وسينشق القمر ، فلما لم يقل ذلك وقال : وانشقّ القمر ، علمت أنه اخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا . ثم قال على نسق الكلام : « وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر » فأخبر انها آية مرئية وحجة ثابتة . ثم قال على نسق الكلام : « ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر . حكمة بالغة فما تغني النّذر » ، وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم يكن . فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم انه امر قد كان ، ولا يسوغ ان يقال في امر لم يكن ، ولم يقع هذا القول . وأيضا فإن ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين ، ولا يعنّفون في ترك النظر والتأمل له ، فإن التكليف حينئذ زائل مرتفع . فأما قول النظّام : فلم لا يشاهد هذه الآية كل الناس ، فليس هذا بلازم ، لأن الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد وإنما هو شيء حدث ليلا وما كان عندهم خبر بأنه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه ، وإذا كان كذلك فقد بطل ما ظنه . يزيدك بيانا ان القمر قد ينكسف كله فلا يرى ذلك من الناس إلا الواحد بعد الواحد والنفر اليسير لنومهم « 1 » ، فكيف بانشقاق القمر الذي انشق ثم التأم من ساعته بعد ان رآه أولئك القوم الذين طلبوه .

--> ( 1 ) وقد تقرأ : لتوهم .