القاضي عبد الجبار الهمذاني
58
تثبيت دلائل النبوة
وأيضا فقد يجوز ان يحجبه اللّه عز وجل لمصالح العباد إلا عن أولئك القوم ، لأنه قد يجوز ان يكون في بعض البلاد من المكذبين والمحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال : انما انشق شهادة لي على صدقي ، ولا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه أيضا ، وبطل ما توهمه . ومدار / الأمر ان يكون هذا أمرا قد كان ، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه . ومن الدلالة أيضا ان ذلك قد كان ، ان الصحابة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد تذاكروه فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقف ، بل وقع إجماع منهم على كونه ووقوعه ، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم . وقد ذكر انشقاق القمر علي بن أبي طالب ، وعبد اللّه بن مسعود ، وجبير بن مطعم ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وخطب الناس مدينة بن مالك بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر . وكانوا يقولون : خمس قد مضين : الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام « 1 » ، يتذاكرون هذا بينهم رحمة اللّه عليهم . وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك ، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة ، سواء كان من المسلمين أو من غيرهم ،
--> ( 1 ) يقصد بالروم غلبة الفرس على الروم وما تنبأ به القرآن من غلبة الروم بعد ذلك في سورة الروم ، والقمر حادثة انشقاق القمر الذي ورد في القرآن في سورة القمر ، اما الدخان فما ورد حوله في سورة الدخان ، وأما البطشة فيقصد بها وقعة بدر لقوله تعالى : « يوم نبطش البطشة الكبرى » ، وأما اللزام فقد قيل إن المقصود بها بدر أيضا ، وقد ذكر ذلك ابن الأثير في النهاية 4 : 56 .