القاضي عبد الجبار الهمذاني
31
تثبيت دلائل النبوة
وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ، أنهم قد بقوا بعده وملكوا الأمر واستولوا عليه ، وامتدت أيديهم إلى ملوك الدنيا وممالكها ، فجازوها وأنفقوها في إعزاز دينه وتأكيد شريعته ، وزهد وافي المباح المطلق ، وحموا نفوسهم وأبناءهم منه ، وأدخلوا الأمم من الفرس والروم والهند وغيرهم في دينه ، وفرضوا عليهم تصديقه وإجلاله ، ومن أبى القبول جعلوا دمه له ، وأوطئوا أعداءه وشانئيه الذلّ والسيف في مشارق الأرض ومغاربها . وقدم رحمك اللّه زهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد كان أزهد الناس فيما تناحر الناس عليه وتطاعنوا فيه وتفانوا لأجله . فقد كان صلّى اللّه عليه وسلم ملك من أقصى اليمن إلى بحر عمان إلى أقصى / الحجاز إلى عرار العراق ، واستولى على جزيرة العرب وكانت مقسومة بين خمسة ملوك ، لكل واحد منهم شأن عظيم . هاداه غير واحد من الملوك ، وجبى ذلك كله فبذله ، وحمى نفسه منه وأهله ، وخيّر أزواجه على إرادة اللّه ورسوله والدار الآخرة ، وعلى أن من أراد الحياة الدنيا وزينتها متعه وسرحه سراحا جميلا « 1 » . وكان صلّى اللّه عليه وسلم مع هذا الملك العظيم أيبس الناس عيشا ، وأخشنهم لباسا . واعتبر من ذلك ببرده الذي يلبسه خلفاؤنا من بعده وقيمته مقدار دانقين ، وبقدحه وخاتمه ، وجميع ما صار عند خاصة أهله وعامة أنصاره . ثم توفى ولم يترك عينا ولا دينارا ولا شيّد قصرا ولا غرس شجرا ولا شقّ لنفسه نهرا ولا استنبط لنفسه عينا ورغب لأهله وأصحابه في مثل ذلك .
--> ( 1 ) نزلت آيات التخيير في سورة الأحزاب « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً » الأحزاب 28 و 29 .