القاضي عبد الجبار الهمذاني

290

تثبيت دلائل النبوة

وكم له رضي اللّه عنه مثل هذا الكتاب إلى معاوية ، يمدح فيه الخلفاء قبله ، ويذم معاوية ، وكم له من الرسل إليه في هذا المعنى ، وما رضى من إنكار المنكر حتى سافر إلى أهله بعد المكاتبة فشافههم به . فسار إلى معاوية ونزل بصفين ، وأقام نحو الشهرين لا يحارب / ولا يقاتل ، ويقيم الحجة على معاوية ، ويبين براءته من دم عثمان ومن خذلانه ، وانه قد بذل لعثمان النصرة فأباها عثمان وكره القتال ، وأراد ان ينصرف القوم عنه راضين بغير قتال ، وانه ما ظن ولا ظن عثمان انه يقتل ، وان القوم اغتالوه وتسلقوا عليه وقتلوه ليلا . ويستشهد على ذلك المهاجرين والأنصار ، ثم يحلف بعد هذا ويقول : واللّه ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ولا رضيت ولا هويت ، ويلعن قتلة عثمان ويقول : اللهم العن قتلة عثمان في الليل والنهار والبر والبحر ، ويرفع يديه بذلك حتى يبين ما تحت منكبيه . وقد فعل مثل ذلك بالبصرة ، فقال معاوية نحن نصدقه ، ولكن في عسكره شناة عثمان وغزاته يسلمهم إلينا . إلى أن قال أهل الشام تخلّي معاوية على الولاية وهو يسمع لك ويطيع ، فقال : لا افعل ، وسألوه في ذلك فما أجاب . فأتاه وفد أهل الشام وفيهم رجل يقال له حوشب ذو ظليم له قدر ونباهة ، فقام فقال : ألا ترى يا علي ان اللّه قد قسم لك قسما حسنا فخذه بشكر ، إن لك قدما في الاسلام وسابقة وقرابة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وصهرا وتجربة وسنا ، فإن تتلف بيننا غدا فإنه لبوار العرب وضيعة الحرمات ، ولكن انصرف راشدا وخلّ بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء أصحابك . فقال له رضى اللّه عنه : إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك ، ولو علمت أن