القاضي عبد الجبار الهمذاني

16

تثبيت دلائل النبوة

وهو يعلم أنهم يعلمون انه قد كذبهم ؛ هذا في رئيس لا يدعي النبوة فكيف بمن يدعي الصدق والنبوة ؟ وهذا قول قد سمعه عدو النبي صلّى اللّه عليه وسلم من اليهود والنصارى وقريش والعرب ، وأخرسهم صدقه ، وبهر عقولهم تمامه والوفاء به ، لأنهم اجتمعوا له بتلك الشرائط التي قد تقدمت ، وهو بخلاف اجتماع الاتباع لخطّاب الملك وطلاب الدنيا . فان قيل : أفليس عليّ بن عبد اللّه ابن العباس ابن عبد المطلب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وابنه محمد وبنو محمد ، كإبراهيم الامام وإخوته ، كأبي العباس ، وأبي جعفر ، وغيرهما ، قد كانوا مقهورين ومغلوبين ببني أميّة ، فدعوا إلى أنفسهم بخراسان فأجيبوا ، وصاروا في عساكر وجماعات ، فغلبوا بني أميّة على الملك ، وقتلوهم وأخذوا كل ما في أيديهم الا بلاد الأندلس من ارض المغرب ، فلم لا يكون سبيل نبيكم وغلبته هذه السبيل ؟ وإلا فقد لزمكم ان تقولوا بنبوة بني العباس كما قلتم بنبوة صاحبكم . قيل له : قد فرغنا من هذا مرة وتبيّنا الجواب فيه ، وهو أنا لم نقل بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم لأنه صارت له رئاسة وصار متبوعا وصارت له عساكر ، ولكن لأنه أخبر بالأمور قبل كونها على غير مجرى العادة ، بل على ما هو نقض للعادات ، لأنه أتى الناس وهو وحيد فقير أجير ، فأغضبهم وغاظهم وجادلهم وعادوه ، وأخبر أنهم سيغلبون ، وأنه يغلبهم ويقهرهم ، وقالوا : بل نحن نغلبك وندبرك ، وكان موجب التدبير ومقتضى الحزم أن تكون الغلبة لهم لا له ، إلا أن يكون من قبل اللّه ورسولا للّه ، لأنهم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يد واحدة في عداوته والقصد