القاضي عبد الجبار الهمذاني

266

تثبيت دلائل النبوة

مأثم أحب إليّ أن أتقدم قوما فيهم أبو بكر ، ولكن أنت يا أبا عبيدة ان شئت بايعتك ، فقال أبو عبيدة لعمر : ما سمعت منك فهة « 1 » في الاسلام قبلها ، أتقول هذا لي وفيكم الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار ، وخليفة رسول اللّه ، وقد أمّنا حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقال عمر : معشر الأنصار ، قد علمتم ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قدم أبا بكر واقامه مقامه في الصلاة بالناس ، فأيكم تطيب نفسه ان يتقدم علي من قدمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قالوا : معاذ اللّه أن نتقدم أبا بكر ، فقال بشير بن سعد الأنصاري ثم الخزرجي : قوموا إلى خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فبايعوه ، فانثالوا على أبي بكر ومدّوا يده فقبضها وقال : بايعوا عمر أو أبا عبيدة ، ودفعهم عن نفسه بجهده ، وقبص يده فمدها عمر ، فقال له أبو بكر : أنت أنت يا عمر ، أنت أقوى وأشد ، فقال عمر : شدتي لك أنت أحق ، أنت خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، رضيك لنا ؛ فما زالوا به حتى بايعوه . فانظر إلى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والأنصار وهم يطلبون ويفتشون ما يجوز في دين رسول اللّه / صلّى اللّه عليه وسلم ، ويرجعون إلى أفعاله ووصاياه ، ويبتغون مرضاته ، هل تجد أحدا منهم يذكر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نصا على رجل بعينه أو ما يشبه النصّ أو ما تأويله النص من أنه كتاب اللّه أو من حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والعهد قريب وهو يوم موته ، ولم يدفن بعد ، وهذا موضع الحاجة إلى ذكر ذلك ؛ والمناظرة والمباحثة تذكّر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب ؟ وما أراد الأنصار بالبدار إلى إقامة أمير يكون على الناس إلا اللّه ، وإلا إحياء الاسلام

--> ( 1 ) الفهة من العي والغلط