القاضي عبد الجبار الهمذاني

267

تثبيت دلائل النبوة

وقمع أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لينضبط الأمر ولا ينشر « 1 » ؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى ، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الاسلام ، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة ، وقد ارتد من ارتدّ ، فكان الصواب في المبادرة إلى إقامة أمير ، فلما قيل لهم : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد قال : الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا ، وقصدوا إلى أفضل قريش في أنفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول اللّه ، وتفانوا في طاعته ؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم ، فإن البلاد بلادهم ، والبادية باديتهم ، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم ، وانما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم ، وبهم عزّوا ، وبهم صار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في عساكر وجماعات ، وبهم غزا العدو وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم وهو مقيم بمكة منذ دعا إلى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب ، ويتلو القرآن ، ويدعو إلى اللّه ؛ فسمعته / قبائل الأوس والخزرج ، وأصغوا إلى دعوته ، وأجابوه إلى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته ، وأن ينفقوا أموالهم ، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه ، وأن يطيعوه حيا وميتا . فلما أجابوه إلى ذلك ، أمر أصحابه بالهجرة إليهم ، فقبلوهم وأظهروا الاسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم ، فهاجروا إليهم فوفوا بجميع ذلك ، وكان باطنهم في الايمان كظاهرهم ، فلهذا أسماهم اللّه الأنصار وكذا المهاجرون ، ولهذا قال اللّه : « لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ » « 2 » فأخبر عزّ وجل عن صحة نياتهم وصدق

--> ( 1 ) يقصد : كي لا يتفرق المسلمون ( 2 ) الحشر 8