القاضي عبد الجبار الهمذاني
178
تثبيت دلائل النبوة
والجراد وغير ذلك ، فيصرفونها عن بلد بلد ؛ وأن من عرف صنعة النجوم تأتى له ذلك . فقيل لهم : هذه كلها مخاريق ، وإذا أردتم ان تعرفوا كذب أوائلكم فاعرفوه بكذبكم في زمانكم ، فإن الكواكب ما بقيت ولا زالت ، فهانوا شيئا من هذا ، وفي تعذره عليكم دلالة على كذبكم وكذب أوائلكم . فإن قالوا : بلاد حمص لا يكون بها عقرب ، وإن دخلت إليها عقرب ماتت وانما هذا طلسم عمل لها ، قلنا : قد بيّنا كذبكم حسا كما بيّنا كذب النصارى والمنجمين ، فإن كانت حمص لا يعيش بها عقرب فان هذا من فعل اللّه تبارك وتعالى ، قد يميت بعض الحيوان إذا صار في بعض الأماكن لتدبير له عز وجل هو اعلم به ، ولمصلحة فيه . ألا ترى ان بلاد الروم لا تكاد تبقى بها الجمال مع حرصهم في بقائها ، حتى قال من لا يعلم : ان هذا لشدة البرد ، فقيل له : فبلاد الترك / أشدّ بردا وبها الجمال ، والأتراك بالري « 1 » إذا قطنوا بها فما يكادون يبقون بل يتماوتون ، والاصفهاني إذا أراد السفر إلى الري أوصى . وما هذا الطلسم ، وأرض مصر وغيرها من مواضع شتى لا يكاد يكون بها مطر . وما ذاك الطلسم ، وأرض العراق مع كرمها وطيب مائها لا ينبت بها الفلفل ، ولا الدار فلفل ، ولا العود ولا الزنجبيل ولا الدارصيني ، ولا الزعفران ، ولا سنبل الطيب ، ولا يكون في أنهارهم العنبر .
--> ( 1 ) الري : بلدة عظيمة في ذلك الوقت ، فتحها المسلمون في خلافة عمر رضي اللّه عنه ، وأصبحت حاضرة اسلامية في القرن الرابع الهجري حتى لقد فاقت بغداد نفسها في كثير من الأحيان . انظر : ابن الأثير الكامل 9 : 235 ، السمعاني الانساب 232 ، أحسن التقاسيم للمقدسي 385 - 390