القاضي عبد الجبار الهمذاني

150

تثبيت دلائل النبوة

لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي ، وما جئت ناقضا بل متمما ، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند اللّه من أن تنقض شيئا من شريعة موسى ، ومن نقض شيئا من ذلك يدعى ناقصا في ملكوت السماء . وما زال هو وأصحابه كذلك إلى أن خرج من الدنيا وقال لأصحابه اعملوا كما رأيتموني اعمل ووصوا الناس بما وصيتكم به ، وكونوا معهم كما كنت معكم ، وكونوا لهم كما كنت لكم . وما زال أصحابه بعده على ذلك وكذلك ، ثم الذين بعد القرن الأول من أصحابه ، ثم من بعدهم بالدهر الطويل . ثم اخذوا في التغيير والتبديل ، والبدع في الدين ، وطلب الرئاسة ، والتقرب إلى الناس بما يهوون ، ومكايدة اليهود وشفاء الغيظ منهم وإن كان فيه ترك الدين . وهذا بين في الأناجيل التي معهم وإليها يرجعون ، وفي كتابهم المعروف بكتاب افراسكس « 1 » ، فان فيه ان قوما من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام ؛ فدعوا الناس إلى سنة التوراة ، وإلى تحريم ذبائح من ليس من أهلها ، وإلى الختان ، وإلى إقامة السبت ، وإلى تحريم الخنزير ، وإلى ما حرمته التوراة . وان ذلك شق على الأمم واستثقلوه ، فاجتمع النصارى ببيت المقدس ، وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليجيبونهم ويطيعونهم ، فأوجب رأيهم مداخلة الأمم والترخص لهم والانحطاط في أهوائهم ، وترك مخالفتهم ، والاختلاط بهم ، والأكل من ذبائحهم ، والتخلق بأخلاقهم ، وتصويبهم فيما هم عليه . وأنشئوا في ذلك كتابا . وقد قال بولس في الكتاب الذي يسمونه السليح : انا قلت لهم إلى كم تهودون الناس ؟ وقال في السليحين : كنت مع اليهودي يهوديا ومع الرومي روميا ،

--> ( 1 ) اي كتاب الحواريين ، انظر الفهرست ص 41