القاضي عبد الجبار الهمذاني

128

تثبيت دلائل النبوة

اليسير . وكذا الافتعال وان كان الافتعال أمكن من الكتمان . ولهذا / يتواصى العقلاء بالصمت والكتمان ما لا يتواصون بالقول ، ويحذرون منه ما لا يحذرون من القول ، حتى أن الصمت والكتمان لا يجوز إلا في عقلاء الرجال وفي افراد الناس ، وهو فيهم أقل من القليل . فاعرف هذا فان هؤلاء الملحدة كأبي عيسى الوراق ، والحداد ، وابن الراوندي ، لما لم يجدوا في رسوله اللّه مطعنا ادعوا انه قد كانت له فضائح وأكاذيب وحيل وقف عليها أصحابه وأهله وكتموا ذلك لحبهم له ولئلا يفتضحوا باتباع كذاب . وانما يجوز ان ينكتم ما يكون بين اثنين من النفر اليسير مدة ما ثم يظهر ، فأما ما يكون بين الجماعة فإنه لا ينكتم ، ولا يطمع العاقل في كتمانه ولا يحدث نفسه به وان ضره وان ساءه . ألا ترى ان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، جاء باكفار اليهود والنصارى والمجوس ، وبالبراءة منهم ، وسفك دمائهم ، وسبي ذريتهم ، واستباحة أموالهم ، ويأخذ الجزية من أهل عهدهم ، إلى غير ذلك مما شرعه من مكارههم ، وكل ذلك قد ضرهم وساءهم وذهب برئاستهم واسقط من اقدارهم ، وقد ودوا أن ذلك لم يكن قط ، وان اللّه قد رفعه من قلوبهم ومن قلوب الخلق أجمعين ، وهذا علموه حين نطق به النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقاله وشرعه وهو وحيد ضعيف فقير ، وهم قد نقلوا ذلك وأذاعوه ونشروه وتحدثوا به مع ما عليهم فيه ، والدولة والعزّ والغلبة إذ ذاك لهم لا له . وهذا حال أمير المؤمنين مع معاوية وبني أميّة فإنهم قد كرهوا عقد أهل