القاضي عبد الجبار الهمذاني
114
تثبيت دلائل النبوة
عني ، وليس كما أريد انا بل كما تريد أنت . وكان يرمي من فمه كعلق الدم جزعا من الموت ، ويعرق ويقلق « 1 » . وكان إذا ذكر البعث والقيامة والحساب يكون منه البكاء والقلق والجزع ما لا يكون من أحد ، ويكون من صلاته وصيامه وعبادته وخشوعه ما لا يكون من أحد من زمانه . ومثل هذا من أقواله وافعاله أكثر من أن يحصى ، وهو معهم وفي أناجيلهم ، حتى لقد احصى أهل المعرفة والعلم ، فوجدوا المسيح عليه السلام له من الاقرار على نفسه بالعبودية والضعف والحاجة والفقر والفاقة ، وللّه عز وجل بالغنى والربوبية ، ما لم يكادوا يجدونه لأحد من الأنبياء والصالحين ، ثم تقول فيه النصارى ما قد سمعت . فإن قالوا : فقد حكى متى عنه في إنجيله أنه قال لتلامذته : سيروا في الأرض وعمّدوا العباد باسم الأب والابن [ و ] « 2 » روح القدس . وحكوا عنه أنه قال : انا كنت قبل إبراهيم ، وما أشبه ذلك . قيل له : ليس المسيح أول من كذب عليه وأنتم تعلمون ان ماني القس يدّعي التحقيق بالمسيح ، وانه من اتباعه ، وانه ليس أحد على شريعته ووصاياه الا هو واتباعه ، وان الإنجيل الذي معه هو إنجيله . وهو يذكر عنه انه كان يحرم على الناس كلهم وعلى نفسه النساء وذبائح الحيوان واكل اللحمان ، وان هذا ما حلّ قط ولا يحل ، ويلعن كل من احلّه . وانه كان تبرأ / من إبراهيم وموسى وهارون ويوشع وداود ، ومن كان يرى ذبح الحيوان وأذيته واكل اللحمان وغير ذلك . ويستشهد على ذلك بمواضع من الأناجيل
--> ( 1 ) انظر تفصيل ذلك في إنجيل متى ، الأصحاح 27 ، وإنجيل لوقا ، الأصحاح 23 ، وإنجيل يوحنا ، الأصحاح 19 ، وإنجيل مرقس ، الأصحاح 15 . ( 2 ) الواو إضافة على الأصل يقتضيها السياق .