القاضي عبد الجبار الهمذاني

115

تثبيت دلائل النبوة

التي معكم ، وعندكم انه قد كذب على المسيح وافترى وأخطأ فيما تأول ، وان تزكية المسيح لهؤلاء الأنبياء امر ظاهر لا ينصرف عنه التأويل . قلنا : فهذه سبيلكم في دعاويكم على المسيح وأنتم في هذا أشد فضيحة من المنانية ، لأن تصديق المسيح للأنبياء وشهادته بما شهدوا به من توحيد اللّه وإفراده بالقدم والربوبية والحكمة أبين من كل بيّن وأوضح من كل واضح . والعقلاء يردّون المجهول بالمعلوم ، وما التبس بما اتضح ، وما يحتمل بما لا يحتمل . وقد بلغ الجهل بالنصارى في بدعهم هذه أنهم يقصدون إلى ألفاظ في التوراة وفي كتب الأنبياء متحملة ، يحملونها على ظنونهم السيئة وبدعهم هذه الفاحشة ، فيقولون : انما أراد إبراهيم وموسى وهارون وسائر الأنبياء وهو ما أردناه من أن اللّه ثالث ثلاثة ، وأن الأرباب جماعة ، وأن اللّه يصعد وينزل ويولد ويقتل . فيقصدون إلى ما في التوراة من أن اللّه قال نريد ان نخلق بشرا على صورتنا ومثلنا « 1 » . فيقولون : هذا خطاب من جماعة ، أما تسمعونه يقول : نريد ، ولم يقل : أريد ان أخلق بشرا مثلي ، لتعلموا أن الآلهة جماعة ، وأنهم على صور وهيئات كهيئات الناس ، وما أشبه هذا من الألفاظ المحتملة . حتى تعدّوا إلى القرآن فقالوا : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » ، قالوا : فهذا خطاب من جماعة لا من واحد . وقالوا في قوله عز وجل « فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ » « 2 » قالوا فهذا أحد الآلهة والأرباب يقسم بالأرباب .

--> ( 1 ) جاء في التوراة في سفر التكوين ، الأصحاح الأول : « وقال اللّه نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا » . ( 2 ) المعارج 40