القاضي عبد الجبار الهمذاني
108
تثبيت دلائل النبوة
ثم يقطعونهم عن البحث والنظر بالعهود والايمان المغلظة ، ومن دخل بلدانهم وشاهد عساكرهم وتأمل سيرتهم يعرف ذلك من قصدهم ، بل من سأل واستبحث يعلم ذلك وإن لم يصر إليهم . وقد صاروا حرما للملحدة والزنادقة والفلاسفة والدهرية وجميع أعداء الاسلام ، فمن هاجر إليهم أمن في إلحاده وقال ما شاء كيف شاء ، فيا لها مصيبة بذهاب الاسلام وموت أهله وقلة العارفين به وبحقوقه ، فان من بقي ممن يظن أنه من أهله فمنهم من يشبّه اللّه بخلقه ، ومنهم / من يجوّره في حكمه وإلى غير ذلك . وباب آخر [ ما أشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح عليه السلام ] وهو ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى أشد عالم اللّه تعظيما للمسيح وتحققا به وحبا له ، يدّعون انهم شيعته واتباعه ، وانهم أطوع الناس له ، وان ما هم عليه عنه اخذوه ، وبه اقتدوا فيه ، وعلى وصاياه عملوا . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : ان المسيح عبد اللّه ورسوله أتى الناس بما جاءهم الأنبياء قبله ، من آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وهارون وغيرهم من الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين ، من الدعاء إلى عبادة اللّه وتوحيده وحده ، والاخلاص له وحده بالعبادة والقدم والربوبية ؛ وان النصارى قد كذبوا عليه ، وبدّلوا دينه ، وعطلوا وصاياه ، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل ، الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها ، كالفلاسفة والصابئين من أهل حرّان « 1 » ، فإنهم
--> ( 1 ) سمى صابئة حران بذلك لأنهم كانوا يسكنون مدينة حران من ارض الجزيرة ، وقد عرفوا بعبادة الاجرام السماوية السبعة ، وهذه العبادة بقية من الديانة الآشورية والبابلية .