القاضي عبد الجبار الهمذاني
109
تثبيت دلائل النبوة
اعتقدوا في الشمس والقمر والكواكب والسماء ما قدمنا ذكره ، كالقبط الذين قالوا في فرعون ما ذكرنا ، وكغيرهم ؛ فقد قال بربوبية المخلوقات والمخلوقين خلق كثير ، وشرح أحوالهم يطول ؛ وان المسيح صلّى اللّه عليه وسلم عدوّ لهؤلاء النصارى وبريء منهم فوجد الناس الأمر كما قال ، وعلى ما شرح وفصّل ، فكم في هذا من عجب ، انه رجل عربي أمي يخبر عن رجل قد سبقه بنحو الف سنة ، ولسانه غير لسانه ، / وبلده غير بلده ، وقومه غير قومه ، يخبر عنه بأمور كان عليها . وقد وجد صلّى اللّه عليه وسلم أمما ممن كانوا قبله يدعون التحقيق بهذا الرجل وهم على منهاجه وطرائقه ، فلو كان منقولا لتهيب الاقدام على ذلك ، وكان لا يأمن ان يكون القوم الذين سبقوه في الزمان وتحققوا بهذا الرجل قد صدقوا عليه ، وانهم أتباعه كما ادعوا فلا يأمن ان يظهر كذبه ، سيما وقد ادعى الصدق والنبوة والرسالة على أهل الأرض كلهم وعقله الذي لا يدفع . فانظر كيف يتعرض لعظيمات الأمور ، وجسيمات الخطوب . وحكى عن ربه عز وجل ان النصارى ليسوا على شيء مما « 1 » جاء به أحد من الأنبياء ، فقال : « وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ » « 2 » فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله وفيه فضائحهم وهتكهم ، فيؤخذ الامر كما قال ، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه لكفى وشفى وأغنى .
--> ( 1 ) في الأصل : ما ( 2 ) الزخرف 45