القاضي عبد الجبار الهمذاني
88
تثبيت دلائل النبوة
تعاطاه صلّى اللّه عليه وسلم / ثم اكتتم عليه ، لكان ذلك من أكبر آياته وأعظم معجزاته ، فإذا العادة قد انتقضت به ، فقد أعطاه الخصم أكثر مما ادّعى ، ولو جاز ان يخفى ذلك ويتستر على أحد من الناس ، لما استتر ذلك على محمد صلّى اللّه عليه وسلم لأن عدوّه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن أحواله من قريش والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير ، والطلب منهم شديد ودعواه النفسية عظيمة ، وقد ادّعى عليه الفرية والكذب ولنفسه الصدق ، وحجته عليه ألا يكذب في شيء ولا يناقض ، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق . وقد عرف عدوه ووليّه منشأه ومتقلبه ومثواه ، ومعهم سافر ، وبينهم تربى ونشأ ، وأزواجه إنما هنّ بنات أعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته ، وهن ممن يعتقد صدقه ونبوته ، فمن هذه سبيله ، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد أو بالأقلام المختلفة ، ويكتب ويقرأ ، ويختلف إلى أهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ عنهم ، ويتستر ذلك على أهله ونسائه وعدوه ووليه ؟ هذا لا يعتقده من تأمل الأمور وتدبرها . بل لو كان ذلك له صلّى اللّه عليه وسلم يوما واحدا أو ساعة واحدة ، لعلم به الأولون والآخرون للأحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره . ولا فرق بين من ادّعى هذا عليه ، أو ادعى انه قد كان مرة تهوّد وأظهر اليهوديّة ، وخرج فأقام مرة ببابك ، ومرة ببيت المقدس ، وأنه كان مرة تنصّر ولبس المسوح وأقام في البيع ، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأقام أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان ، وأن ذلك / كله تم له وخفي على أهله ونسائه وعدوه ووليه . فتأمل رحمك اللّه هذه الآية فإنها عظيمة جليلة ، ولو لم يكن له الا هي لكفت وأغنت . وانظر كيف يقول ، قد اقتص قصة نوح عليه السلام ثم قال في آخرها : ( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ . ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا