السيد محمد الصدر

487

تاريخ الغيبة الصغرى

مصادرها ، وانما المهم أن في مقتل المسيح ( ع ) أطروحتين رئيسيتين : الأطروحة الأولى : انه مات مصلوبا ، كما يموت الناس المصلوبون ، بعد أن نجحت المؤامرة التي دبرت ضده . والمفهوم أن اليهود والنصارى متفقون على هذا المقدار من الأطروحة إلا أن النصارى يضيفون طبقا لأناجيلهم : ان المسيح رجع إلى الدنيا مرة ثانية ثم صعد إلى السماء أمام طلابه . الأطروحة الثانية : ان المسيح لم يمت كسائر الناس ، وإنما تدخّل الخالق القدير عز وجل بطريق إعجازي في نجاته من هذه المؤامرة المدبرة ، ورفعه إليه . إذن فقد صعد إلى السماء من دون أن يموت . وهذا هو المطابق مع الفهم الكلاسيكي لدى المسلمين عموما ، ويدل عليه ظاهر بعض آيات القرآن الكريم . وقد صرح به إنجيل برنابا بوضوح « 1 » ، وأعطى القصة تفصيلا . ولا نريد الآن أن نرجح إحدى الأطروحتين على الأخرى . وإنما المقصود الآن أن نشير إلى موقع كل أطروحة - لو كانت صحيحة - من التخطيط الإلهي . أما الأطروحة الأولى ، فارتباطها به واضح وبسيط ، فان المجتمع المنحرف الفاشل في التمحيص والبعيد عن خط النبوات ، قد تسبّب إلى قتله . واما قيامه بعد ثلاثة أيام ، فهو ممكن عقلا ، إلا أنه لا دليل على صحته ، فان المظنون أن تكون رؤيته خيالا لطلابه ، حيث تعجز النفس أحيانا عن تحمل الخبر بموت الزعيم أو القائد ، فيخيل لها وجوده في الدنيا . وسوف نعرف أن هؤلاء الطلاب الناقلين لهذه الرؤية هم الأشخاص الرئيسيون الذين قاموا بتحريف المسيحية بعد المسيح . إذن فهم غير موثوقين في الإخبار عن هذه الرؤية . مضافا إلى أن هذه الفكرة واجهت نقودا قوية من قبل المسيحيين المحدثين « 2 » . وأما الأطروحة الثانية : فلا بد أن ننظر فيها إلى مستويين : المستوى الأول : ان الصعود حادث ( كوني ) مفروض من خارج النطاق

--> ( 1 ) انظر إنجيل برنابا ، ترجمة الدكتور خليل سعادة ص 320 . ( 2 ) انظر على سبيل المثال : شارل جنيبير في كتابه : المسيحية نشأتها وتطورها . ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود ، ص 49 وما بعدها . وأميل لودفيغ في كتابه ابن الانسان ترجمة عادل زعيتر ص 205 ط 1947 مصر .