السيد محمد الصدر
456
تاريخ الغيبة الصغرى
الاستخدام لا يكون دائما على أساس الملكية ، كما هو معلوم ، بل قد يكون قائما على أساس آخر ، كالفلاحة والنجارة والاستئجار ، وغيرها . والمظنون ، ان الحالة الحضارية أو المدنية - كما عليه الاصطلاح - مهما بدت لنا على البعد متشابهة ، إلّا انها كانت تختلف من بلد إلى بلد ومن حاكمية إلى حاكمية بحيث لا يمكننا أن نعطي صفات عامة محددة للبشرية من هذه الناحية ، كما حاولت الماركسية أن تعمل . - 10 - بقي هناك سؤال لا يخلو من شيء من الأهمية ، وهو ان البشرية في ذلك الحين لم تكن منحصرة بالشرق الأوسط ومصر ، بل كان هناك في أوروبا وإفريقيا بشر كثيرون ، فهل شملتهم هذه النبوات أولا ، وإذا لم تشملهم فلما ذا ؟ ! . . والواقع ان التاريخ لا يستطيع أن يقدم لنا الدليل الكافي ، على وجود بشر على نطاق واسع في وسط أوروبا ووسط إفريقيا واستراليا وأمثالها فإن كان هناك بشر فهم قليلون ومتخلفون إلى درجة يمكن اسقاطهم عن نظر الاعتبار حين نقول : ان ( البشرية ) قد وصلت إلى هذه المرحلة فكريا أو حضاريا ، أو حين نقول : ان هذا نبي ( عالمي ) . كما أن التاريخ لا يستطيع ان يقدم لنا الدليل على عدم وجود الأنبياء فيهم ، على المستوى المناسب مع مستواهم العقلي والحضاري . وبغض النظر عن ذلك ، اي مع افتراض ان أوروبا وإفريقيا وغيرها مليئة بالبشرية وخالية من الأنبياء - وهو افتراض جدلي لا دليل عليه - . . . نقول : اننا - كمفكرين مسلمين - اما ان ننطلق في اثبات ضرورة النبوات من قاعدة اللطف ، التي هي الدليل التقليدي على ذلك ، أو ننطلق إلى ذلك من التخطيط العام لتكامل البشرية . فان انطلقنا من قاعدة اللطف ، كان هذا الافتراض المشار إليه غير ممكن ، إذ ان مقتضى اللطف الإلهي وصول الدعوة الإلهية إلى كل البشر بدون استثناء ، بحيث لا يكون اثنان إلّا كان أحدهما الحجة على صاحبه . ومن هنا يتعين الالتزام بوجود الأنبياء بين أولئك البشر . أو ان يسمح لنا المفكرون التقليديون بأن نعتبر بعد المسافة بين منطقة النبوات وبين أوروبا وإفريقيا عذرا كافيا عن تطبيق قاعدة اللطف . أو بتعبير آخر : ان نوح وإبراهيم عليهما السلام ، بالرغم من عالمية دعوتهما في الواقع ، كانا معذورين في عدم ايصال صوتيهما إلى تلك الأعماق لبعد المسافة واختلاف اللغة