السيد محمد الصدر
457
تاريخ الغيبة الصغرى
والتباين في المستوى الحضاري ، حيث يتعذر نقل الدعوة بالأساليب القديمة السارية المفعول يومئذ ، تعذرا تاما . وان انطلقنا إلى ضرورة النبوات من التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية . فهذا معناه : ان المقصود الرئيسي هو وجود المجتمع المعصوم في ربوع البشرية في المستقبل ، وما تربية البشرية عن طريق الأنبياء إلا لأجل الاعداد لذلك ، وقد عرفنا في مقدمات هذا القسم من الكتاب ، ان كل سبب نافع في التخطيط لهذا الهدف فهو واقع لا محالة ، وكل سبب غير منتج من هذه الناحية فهو زائل لا محالة ، لاستحالة أن يحتوي التاريخ على ما هو لغو ومهمل من الناحية التخطيطية والواقعية . إذا عرفنا ذلك هانت هذه المشكلة إلى حد كبير ، بل لم يبق لها وجود على الاطلاق ، إذ يكون افتراض وجود بشرية خالية عن الأنبياء أمرا باطلا ، بعد التجاوز عن احتمال وجود الأنبياء فيها . أولا : إن الغرض الأساسي من التخطيط هو إيجاد أكثرية نامية في البشرية كافية لأن تتكفل مهمة ( اليوم الموعود ) على عاتقها ، ولا يهم - بعد ذلك - وجود جماعة من البشر - وإن كانت كبيرة - خالية من التربية ، أو انها ضعيفة ومتخلفة من هذه الناحية . ومن الواضح ان ( منطقة النبوات ) تحتوي على مثل هذه البشرية الكافية لتكفل تلك المهمة الكبرى . وخاصة إذا علمنا أن التخطيط العام قد أخذ تلك المناطق النائية بنظر الاعتبار ، لكن لا في ذلك العصر بالذات ، بل في المستقبل غير البعيد . إذ شملت دعوة النبوات تلك المناطق قبل عصر المسيح عليه السلام ، وبقيت إلى العصر الحاضر . والمهم هو بلوغ الدعوة سواء كثر المؤمنون أو قلّوا ، كما سبق أن برهنا عليه . ثانيا : ان هناك احتمالا كافيا لدفع ذلك الاشكال . وهو ان وجود أروبا واضرابها بدون أنبياء ، أمر ذو مصلحة في التخطيط العام فعلا ، فيكون - على هذا التقدير - أمرا ضروريا ، وان أوروبا لا بد أن تكون خالية من الأنبياء . والسبب في ذلك ، ما ذكرناه من ضرورة وجود ظروف الظلم والتعسف خلال فترة طويلة من الزمن ، لانجاز التمحيص المنتج للشرط الثالث من شروط اليوم الموعود . وقد يكون من المقدر لأوروبا منذ ذلك العهد القديم أن تكون قائدة الظلم والتعسف في العالم ، كما كان الشرق قائد الهداية النبوية في العالم . ويكون الصراع بينهما - كما هو المشاهد في عصورنا الحاضرة - منتجا لانجاح التخطيط الإلهي .