السيد محمد الصدر

433

تاريخ الغيبة الصغرى

خصوصا . ومعنى التمحيص هو مرور البشرية بظروف صعبة من الظلم والمشاكل والاضطهاد عصورا طويلة ، لكي تبرز بوضوح مواقف الناس فردا فردا تجاهها . فمن كان ضعيف الإرادة أو قليل الاخلاص أو محبا للمصلحة الخاصة ، أصبح ظالما مع الظالمين أو جاملهم أو مالأهم ؛ ومن كان قوي الإرادة مفضلا للسلوك المطابق للأطروحة العادلة ، كان منسجما مع الهدف الحقيقي وناجحا في التمحيص . ومن هنا تتميز مواقف الأفراد تدريجا ، وبشكل بطيء وطويل ، وبذلك يتميز الباطل عن الحق ؛ وقد أكد القرآن الكريم على هذا الجانب في عدد كبير من آياته ، منها قوله تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ « 1 » . وقوله عز وجل : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 2 » وغيرهما . ويبقى التمحيص ساري المفعول زمانا طويلا ، حتى يأتي جيل أو أكثر تتميز به عقيدة المؤمنين ومواقفهم عن مواقف المنحرفين والكافرين وعقائدهم ، أعني المنسجمين مع الهدف الأعلى عن غيرهم . . . تتميز بشكل عميق وحدّي غير قابل للتشويش . وبذلك تكون فترة ما قبل التمحيص التي يشير إليها القرن بقوله : « على ما أنتم عليه » . . . وهي فترة التشويش والضحالة في السلوك والفجاجة والضياع في التقييم . . . قد انتهت . ويكون الناس الذين التزموا جانب الايمان والعدالة هم المخلصون الذين يكون لهم شرف القيادة والريادة في دولة الحق ؛ كل ما في الأمر ؛ انه ينبغي أن يأتي جيل يتحقق فيه عدد من المؤمنين كاف لهذه المهمة الكبرى . وبذلك يكون التمحيص قد حقق غرضه ، ويكون التخطيط لإيجاد الشرط الثالث قد أنتج نتيجته . وقد ذكرنا في تاريخ الغيبة الكبرى « 3 » أن أكثر الناس خلال هذه الفترة ، سوف يوجب ضعف إرادتهم الرسوب والفشل في التمحيص ، على حين يكون الأقلية هم المخلصون الناجحون فيه . وهذا معنى أن المهدي عليه السلام سوف يملأ الأرض

--> ( 1 ) آل عمران : 3 / 179 . ( 2 ) الأنفال : 8 / 42 . ( 3 ) انظر : ص 247 وغيرها .