السيد محمد الصدر
399
تاريخ الغيبة الصغرى
ضروري الانطباق ، باعتبار أن البشرية جزء خاص من الكون العام . فالبشرية أيضا سائرة نحو كمالها الممكن لها والحالة العليا الواقعية المستهدفة لها . وهي تسير أيضا طبقا للسببين الأول والثالث اللذين ذكرناهما وحللنا تأثيرهما . ولكننا نستطيع أن نضع عدة فروق بين تكامل الكون وتكامل المجتمع ، نذكرها كأطروحة محتملة ، لا كشيء تام النجاز . أولا : إن الكون في حركته اضطراري وقسري . بمعنى أن السبب الأول ، وهو ما يسمى بالقوانين الكونية ، هو الذي يحركه نحو الكمال . وبتعبير آخر أصح : إن بعض أجزائه تفسر بعضا على الحركة ، وليس له حرية الاختيار . في حين أن حركة البشرية نحو الكمال ، متوقفة على الاختيار وحرية الإرادة ، حيث يصبح الفرد أفضل إذا اختار الفعل الأحسن ، كما يصبح هو الأدون إذا اختار الفعل الأسوأ ، ولا تكامل من دون حرية . ثانيا : إن الكون في حركته طويل الأمد جدا ، قد لا يمكن قياسه حتى بملايين السنين ، على حين أن حركة البشر نحو الكمال ، ليس بذلك الامتداد ، ولم يفكر أحد أو يزعم أن عمر البشرية مثل عمر الكون بأي حال . ثالثا : إن الأهداف المتوخاة للبشرية يمكن تصورها وتحديدها إلى حد كبير ، بخلاف الأهداف الكونية ، فإنها غير محددة في أذهاننا . ولعل ذلك يعود إلى بعد الأهداف الكونية ، وقرب الأهداف البشرية نسبيا ، والغاية كلما كانت - أقرب ، كانت أوضح وأصرح . رابعا : اننا لا نستطيع أن ندرك فقط أهداف البشرية ، بل الأساليب والطرق الفضلى التي دبرها الخالق للوصول إلى تلك الأهداف . وسيأتي الالماع إلى تلك الأهداف وإلى طرقها ، فإنها هي التي تشكل الأساس الحقيقي لفكرة التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية . فهذه أهم الفروق بين الكون والبشرية . وسنفرض صحتها ردحا من الزمن . لا بمعنى انها باطلة في الواقع ، ولكن بمعنى أنها قد تكون مبالغا فيها ، وان الفجوة بين البشرية والكون أقل بكثير مما تعطيه هذه الفروق . ولعل تسلسل البحث كفيل بإبراز هذا المعنى تدريجا . ولا ينبغي أن يكون التقليل من حدودها ، منتجا لبطلان نتائجها الآتية ،