السيد محمد الصدر

88

تاريخ الغيبة الصغرى

الأولى : أن الأئمة ( ع ) وإن كرسوا غالب جهودهم في سبيل ذلك الهدف ، إلا أن لهم أعمالا كثيرة على المستوى الاسلامي العام في الارتباط بعلماء المذاهب الأخرى والتقرب إلى قواعدهم الشعبية ، كما سمعنا طرفا منه في تاريخ الغيبة الصغرى ، وهذا مما لم يلتفت إليه الراوي ليطبق مجتمعه عليه . الثانية : إن الأئمة عليهم السلام إنما كرسوا جهودهم في قواعدهم الشعبية ، باعتبار انعزالهم عن الحكم وبعدهم عن المستوى السياسي العالي ، بسبب ما كانوا يواجهونه من الضغط والمطاردة من الجهاز الحاكم يومئذ . وأما « المدينة الفاضلة » التي تكلم عنها الراوي ، فهي - لو صحت - تمثل دولة إسلامية . والدولة الاسلامية يجب عليها أن تفرض سلطتها على كل المجتمع المسلم بما فيه من مذاهب واتجاهات بل وبما فيه من أديان . . . بشكل متساو ، وتستهدف المصلحة الاسلامية العليا بالنسبة إلى الجميع . وهذا حكم اتفقت عليه سائر المذاهب الاسلامية ، وطبقته كل الدول المسلمة على مر التاريخ . ولا يجوز للدولة الاسلامية أن تقصر سلطانها على الشعب الموافق لها في المذهب بأي حال من الأحوال . كما أراد هذا الراوي أن يقول . ومعه فقد تحصل من هذا الاعتراض الثالث أن هناك ما لا يقل عن اثنتي عشرة جهة من جهات النقص المهمة في التطبيقات الاسلامية ، في هذه المدينة الفاضلة . وبعضها تكاد تكون من ضروريات الدين على مستوى الحكم الاسلامي العام . إذن فهذا المجتمع المزعوم غير موجود ، إذ لو كان موجودا وكان تحت الحكم المباشر للمهدي ( ع ) وقيادته ، لما أمكن أن يكون ناقصا بأي حال . إذن ، فانطلاقا من هذه الاعتراضات الثلاثة ، واعتراضات أخرى لا مجال لتفصيلها ، تسقط الروايتان للأنباري والمازندراني عن الاعتبار ، ومعه فلا يبقى دليل تأسيس المهدي ( ع ) في غيبته الكبرى مجتمعا نموذجيا . وإنما هو مذخور للقيام بدولة الحق والعدل في العالم كله في اليوم الموعود . عجل اللّه فرجه .