السيد محمد الصدر
87
تاريخ الغيبة الصغرى
الناحية الأولى : ما سمعه الراوي من إقامة الأئمة ( ع ) للمعجزات ونطقهم بالأخبار بالغيب . إذن فينبغي - في رأيه - أن يكون حاكم تلك البلاد المزعومة ، مظهرا للمعجزات وناطقا بالمغيبات . إلا أن ذلك لا يجب أن يكون موجودا في الدولة الإسلامية ، فان قيادتها وتدبير الأمور فيها لا يعود إلى المعجزة بحال ، بعد تمامية الحجة على شعبها في أول دخول الاسلام إليهم أو دخولهم في الاسلام . وعلى ذلك قامت دولة النبي ( ص ) ، وحسبنا من ذلك قوله ( ص ) : إنما اقتضى بينكم بالبينات والايمان . وهو حديث صحيح مستفيض ، يراد بالحصر فيه أنه ( ص ) لا يستعمل المعجزة وعلم الغيب المسبق في القضاء . وكذلك الحال في سائر تدابير الدولة ، فيما لا يعود إلى إقامة الحجة بصلة . وقد يخطر في الذهن : أن الاخبار بالغيب الذي صدر من حاكم تلك البلاد ، حين ناداه باسمه واسم أبيه ، كان من أجل إقامة الحجة عليه ، فيكون مطابقا لقانون المعجزات . وجواب ذلك : إن هذا أمر محتمل ، ولكن ينافيه وجود مناسبات أخرى لإقامة الحجة في ذلك المجتمع ، لم تقم فيها المعجزة . حيث كان هناك مسيحيون تجب هدايتهم إلى الإسلام ، وكان هناك مسلمون من مذاهب أخرى ، اضطر الحاكم إلى الدخول معهم في جدل طويل ، مع أنه كان يمكن أن يستغني بالمعجزة . ومن المعلوم أن هذه المناسبات أولى من مجرد أخبار المسافر باسمه مع كونه متدينا على نفس المذهب والدين . الناحية الثانية : ما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى من تكريس الأئمة عليهم السلام ، الأعم الأغلب من جهودهم في قيادة قواعدهم ومواليهم ، وتدبير شؤونهم ومحاولة دفع الأخطار عنهم . إذن فينبغي أن تكون الدولة في عصر الغيبة على ذلك ، في رأي الراوي . مع أن هذا الرأي مخدوش من جبهتين :