السيد محمد الصدر
537
تاريخ الغيبة الصغرى
والصواب . « مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب » فان هذه الكتابة ليست من جنس الكتابة ! وإنما هي تعبر عن معرفة المؤمنين بكفر المنحرفين ونفاقهم ، وهذا لا يتوقف على كون الانسان قارئا وكاتبا أو لم يكن . ومن المعلوم اختصاص هذه المعرفة بالمؤمنين « يقرؤه كل مؤمن » لأنهم يعرفون الميزان الحقيقي العادل لتقييم الناس . وأما المنحرفون ، فهم لا يقرءون هذه الكتابة ، وإن كانوا على على درجة كبيرة من الثقافة . لأنهم مماثلون لغيرهم في الكفر والانحراف . ومن الطبيعي أن لا يرى الفرد أخاه في العقيدة كافرا . ومن أجل هذا كله حذر النبي ( ص ) منه أمته واستعاذ من فتنته ، لأجل أن يأخذ المسلمون حذرهم على مدى التاريخ من النفاق والانحراف والمادية . بل قد حذر كل الأنبياء أممهم من فتنة الدجال . لما سبق أن فهمنا أن المادية السابقة على الظهور هي من أعقد وأعمق الماديات على مدى التاريخ البشري « ما بين خلق آدم إلى يوم القيامة » وتشكل خطرا حقيقيا على كل الدعوات المخلصة للأنبياء أجمعين . وهو بالرغم من ذلك كله - « أهون على اللّه من ذلك » باعتباره حقيرا أمام الحق والعدل . مهما كانت هيمنته الدنيوية وسعة سلطته . وليس وجوده قدرا قهريا أو أثرا تكوينيا اضطراريا ، وإنما وجد من أجل التمحيص والاختبار ، بالتخطيط الإلهي العام ، وسوف يزول ، عندما يقتضي هذا التخطيط زواله ، عند الظهور ، وتطبيق يوم العدل الموعود . ومن هنا نفهم أنه لا تعارض بين الخبر الدال على أن معه جبل خبز ونهر ماء ، والخبر الدال على أنه أهون على اللّه من ذلك . فان هو أنه عند اللّه لا ينافي حصوله على السلطة والاغراء ، أخذا بقانون التمحيص والامهال الإلهي طبقا لقوله تعالى : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً ؛ فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ . كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 1 » . فهذه هي الفكرة العامة الرمزية عن الدجال . وأما السفياني ، فهو يمثل خط الانحراف في داخل المعسكر الاسلامي ، أو الفكرة الاسلامية العامة . يندرج في ذلك كل الحركات والعقائد الخاطئة التي تدعي الانتساب إلى الاسلام ، مما كان أو يكون إلى يوم الظهور الموعود .
--> ( 1 ) يونس 10 / 24 .