السيد محمد الصدر

517

تاريخ الغيبة الصغرى

وإن غضضنا النظر عن التشدد ، نرى أن هذه المضامين اعجازية المحتوى منسوبة إلى الدجال وهو من أشد الناس كفرا وطغيانا . وقد سبق أن بينا عدم إمكان ذلك . ولعمري ، أن كلتا نقطتي الضعف هاتين : ضعف السند وإيجاد المعجزات المنحرفة ، مستوعبتان للأعم الأغلب من هذه الصفات ، ما عدا صفات طفيفة ككونه أعور العينين ! ! فإنه مستفيض النقل في الأخبار . ومعه يدور الأمر بين شيئين لا ثالث لهما ، فاما أن نرفض هذه الأخبار تماما . وأما أن نحملها على معنى رمزي مخالف لظاهرها . ومن الواضح رجحان الحمل على المعنى الرمزي على الرفض التام . وبخاصة وان مجموع هذه الأخبار متواتر عن النبي ( ص ) ، ولا نحتمل فيه - وهو القائد الرائد للأمة الاسلامية - أن يربي الأمة على مثل هذه العجائب والسفاسف . فيتعين أن يكون المراد الحقيقي معان اجتماعية حقيقية واسعة ، عبر عنها النبي ( ص ) بمثل هذه التعابير طبقا لقانون : حدث الناس على قدر عقولهم . آخذا المستوى الفكري والثقافي لعصره بنظر الاعتبار . ومن هنا ينفتح باب الأطروحة الثانية لفهم الدجال . وهي التي سنتعرض لها في الناحية الثانية الآتية . وعلى كل حال ، سواء رفضنا هذه الأخبار ، أو حملناها على غير ظاهرها ، فان المفهوم - على كلا التقديرين - ان وجود الدجال أمر محق ، ولكنه ليس رجلا معينا متصفا بهذه الصفات التي يدل عليها ظاهر هذه الأخبار . ولم يتحقق ذلك فيما سبق ، ولن يتحقق في المستقبل . وإنما هو عبارة عن ظواهر اجتماعية عالمية كافرة ، سيأتي التعرض لها إن شاء اللّه تعالى . النقطة الرابعة : ظهور السفياني : وقد اختصت به المصادر الامامية ، وليس له في المصادر الأولى للعامة أي أثر . . . ولعل فيه تعويضا عن فكرة الدجال الذي اختص به العامة أو كادوا ، لمبررات معينة ستأتي الإشارة إليها . والأخبار عنه في المصادر الامامية ، وإن كانت كثيرة ، إلا أنها لا تبلغ بأي حال مقدار أخبار الدجال التي حفلت بها المصادر العامة . كما أنها خالية عن نسبة الأمور الاعجازية إلى السفياني ، على ما سنعرف . وبذلك يندفع الاعتراض المهم الذي