السيد محمد الصدر
354
تاريخ الغيبة الصغرى
الأساسية للظهور ، ليتكفلوا مسؤولية نشر القسط والعدل في العالم تحت قيادة المهدي ( ع ) . فإن من يقوم بالجهاد - عادة - في كل عصر ، ليس إلا النخبة من المخلصين الذين يؤمل فيهم وصول التمحيص إلى نتائجه النهائية الصالحة . فإذا لم يكن الأمر بالتقية موجودا ، لوجبت المبادرة إلى الجهاد ، وكان أول المطيعين لهذا الوجوب والمطبقين له ، هم المخلصون في كل عصر ، ومعه ، يتسبب الجهاد إلى استئصالهم أو أكثرهم ، مما يؤدي إلى بطء وجود شرط الظهور أو تعذره ، فيمتنع تحقق الغرض الإلهي الكبير في هداية العالم . ولا داعي للاستعجال بالجهاد ، فإنه مضافا إلى عدم تأثيره العاجل بالنحو المطلوب ، يكون معيقا عن إصلاح العالم في اليوم الموعود . وإذا دار الأمر بين الجهاد المستعجل في جزء من العالم وبين الجهاد المؤجل في كل العالم . . يكون الثاني هو النافذ طبقا للتخطيط الإلهي ، باعتباره منسجما مع الهدف الأسمى من خلق البشرية ، الذي عرفناه . فإن قال قائل : إذا جاهد البعض يبقى البعض الآخر من المخلصين ، مذخورا لتحقيق شرط الظهور . قلنا له : لو لم يكن الأمر بالتقية موجودا ، وكان الأمر بالجهاد نافذا ، لوجب الجهاد على كل المسلمين . . ولكان تركه عصيانا منافيا للإخلاص ، فيجب على كل المخلصين في العالم التصدي له والقيام به ، فيؤدي ذلك - تدريجا - إلى استئصالهم جميعا في كل جيل . لما عرفناه من كونهم قلة بإزاء الكثرة الكاثرة من المنحرفين والكافرين . فينتج تعذر وجود شرط الظهور . إذن ، فالمفهوم الواعي الصحيح للتقية ، وهو بعينه المفهوم الصحيح الذي استخلصناه من الأمر بالعزلة وكف اللسان الذي استفاضت به أخبار المصادر العامة . وليس أمرا زائدا ولا جديدا بالنسبة إليه ليكون مثارا للاستنكار والاستغراب من قبل العامة وأهل السنة . فان الأمر بالعزلة وكف اللسان ، مع جعله منسجما مع القواعد العامة ، يكون مؤديا إلى عين النتيجة التي يؤديها الأمر بالتقية ، وهو الحفاظ على المخلصين ، لتحقيق شرط الظهور . . الحفاظ عليهم عقائديا وحياتيا .