السيد محمد الصدر

307

تاريخ الغيبة الصغرى

وفيها - كما عرفنا في تاريخها - كان الإمام المهدي ( ع ) موجودا يقود قواعده الشعبية في الخفاء . ولا شك أن الناس كانوا ينتظرون ظهوره في أي وقت . باعتبار ما يحسونه من ظلم ومطاردة وتعسف من قبل الحاكمين . وهم يعلمون علم اليقين بوجوده واطلاعه على الأوضاع الشاذة التي يعيشها المجتمع ، ويعلمون أنه المذخور لإزالة الظلم من العالم كله غافلين - بطبيعة الحال - عن اقتضاء التخطيط الإلهي تأجيل ذلك ، لعدم توفر أحد شرائط اليوم الموعود . ولو دققنا النظر ، لم نجد في رفع هذا الجو الفكري من الناس ، مصلحة . بل كانت المصلحة تقتضي إيكالهم إلى انتظارهم التلقائي الارتكازي ، وعدم التعرض إلى تصحيحه أو تكذيبه . لأنه على أي حال ، يزيد من الربط العاطفي للقواعد الشعبية المهدوية ، بإمامها وقائدها . لوضوح أن الأمل فيه كلما كان أقوى كان هذا الارتباط أبلغ وأكبر . بل أن هناك من الأخبار ما يدل على أن الإمام المهدي ( ع ) نفسه كان يذكي هذه العاطفة ويؤكد قرب الظهور . وقد ذكرناها في تاريخ الغيبة الصغرى ، وناقشناها « 1 » . وقد يخطر في الذهن : أنه كان يمكن للناس في تلك الفترة ، أن يطلعوا على الأخبار الدالة على توقف ظهور المهدي ( ع ) على التمحيص ، أو الأخبار الدالة على حدوث علامات الظهور . . . لكي يعرفوا أن الظهور لم يكن ليقع في تلك الفترة ، بعد وضوح أن التمحيص لم يكن حاصلا ، والعلامات لم تكن حادثة . ويمكن أن يناقش ذلك بعدة أجوبة ، أوضحها : أن الفرد الاعتيادي يحتمل تحقق التمحيص المطلوب ، في عصره ، كما يحتمل حدوث علامات الظهور في المستقبل القريب . ومن ثم يحتمل أنه لم يبق بينه وبين الظهور إلا زمن قصير . وهذا الاحتمال كاف في إذكاء أوار الجو النفسي والفكري للانتظار . المرحلة الرابعة : فترة الغيبة الكبرى ، التي لا زلنا نعيشها . وقد قلنا أن الانتظار فيها يحمل معنى توقع الظهور ، وقيام اليوم الموعود في أي

--> ( 1 ) أنظر ص 584 وما بعدها .