السيد محمد الصدر

207

تاريخ الغيبة الصغرى

إيجاد الغرض المهم من إيجادهم . ومنه نستطيع أن نلاحظ ، كيف أن خط الأنبياء الطويل ، والأعداد الكبيرة منهم ، إنما كان باعتبار التقديم والتمهيد للغرض الكبير . باعتبار أن البشرية حين أول وجودها كانت قاصرة عن فهم تفاصيل العدل الكامل ، فلم يكن في الامكان إيجاد المجتمع العادل الكامل الموعود في ربوعها لأول وهلة . بل كان لا بد أن تتربى البشرية تدريجا إلى أن تصل إلى المستوى اللائق الذي يؤهلها لمجرد فهم العدل الكامل الذي يريد اللّه تعالى تطبيقه في اليوم الموعود . ومن هنا نعرف أن الأنبياء إنما تعددوا وتكثروا من أجل إعداد البشرية وتربيتها للوصول إلى هذا المستوى اللائق . . . لكي يتم لها هذا العامل الخارجي الأساسي وهو إفهامها العدل الكامل والأطروحة النظرية التامة للعدل التشريعي الذي يريد اللّه تعالى تطبيقها على وجه الأرض ، والتي بها تتحقق العبادة الكاملة التي يرضاها اللّه تعالى لخلقه ، وبها يتحقق الهدف الأساسي لايجاد الخليقة . وأما العامل الداخلي الذاتي ، فهو الشعور بالمسؤولية تجاه الأطروحة العادلة الكاملة ، باعتبار أنها إنما تضمن العدل فيما إذا أطاعها الأفراد وطبقت في حياتهم ، وهي إنما تضمن الطاعة التامة ، مع وجود الشعور بالمسؤولية ، إذن فلا بد من أجل وجود العدل أن يوجد هذا العامل الداخلي الذاتي في الانسان . وإنما يوجد الشعور بالمسؤولية وينمو ، نتيجة لأسباب ثلاثة ، مقترنة : السبب الأول : إدراك العقل لأهمية طاعة اللّه والخضوع له والانصياع إلى أوامره ونواهيه ، باعتباره مستحقا للعبادة مع غض النظر عن أي اعتبار آخر . السبب الثاني : الشعور بأهمية طاعة اللّه تعالى ، باعتبارها الضامن الحقيقي للعدل المطلق ، على المستويين الفردي والاجتماعي ، أو بتعبير آخر : تربية الاخلاص الذاتي لطاعة اللّه باعتبار المعرفة الواضحة بضمانها للعدل المطلق .