السيد محمد الصدر
206
تاريخ الغيبة الصغرى
ولئن دلت هاتان الآيتان على نفس المطلوب . . . إلا أن قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، أهم في مقام الاستدلال على ذلك ، لأنها تدلنا على الغرض الأسمى لخلق البشرية أساسا ذلك الغرض الذي كان موجودا منذ بدء الخلق . بخلاف الآيتين الأخيرتين ، فإنهما مختصتان بمضامين محدودة نسبيا ، كما يتضح لمن فكر في مدلوليهما . وإن هاتين الآيتين في الواقع ، من تطبيقات ذلك الغرض الأسمى الذي نطقت به ، الآية الكريمة الأولى ، كما سيتضح بعد قليل عند معرفتنا بتفاصيل التخطيط الإلهي لليوم الموعود . النقطة الخامسة : إن تكامل الفرد ، وبالتالي تكامل المجتمع البشري ، يتوقف - بعد أن وهبه اللّه عز وعلا العقل والاختيار - على عاملين : عامل خارجي وعامل داخلي أو قل : عامل موضوعي وعامل ذاتي . أما العامل الخارجي الموضوعي ، فهو إفهام الفرد - وبالتالي المجتمع - معنى العدل والكمال الذي ينبغي أن يستهدفه والمنهج الذي يجب عليه أن يتبعه في حياته ويقصر عليه سلوكه . وهذا الافهام لا يمكن صدوره إلا عن اللّه عز وجل ، بعد البرهنة على عدم إمكان توصل البشرية إلى كمالها ومعرفتها بالعدل الحقيقي إذا عزلت فكريا عن الحكمة الأزلية الإلهية ، كما صح البرهان عليه في بحوث العقائد الاسلامية . ومن ثم لا يمكن أن يتحقق الغرض الإلهي المهم في هداية البشرية وايجاد العبادة الكاملة في ربوعها ، إذا أوكلت البشرية إلى نفسها وفكرها القاصر ، وألقي حبلها على غاربها . إذن ، فلا بد من أجل التوصل إلى ذلك الغرض الكبير من أن يفهمها اللّه تعالى معنى العدل والكمال وتفاصيل السلوك الصالح الذي يجب اتخاذه . وحيث أن افهام البشرية من قبل اللّه تعالى بالمباشرة والمواجهة مستحيل ، كما صح البرهان عليه في بحوث العقائد الاسلامية ، احتاجت البشرية إلى أن يرسل اللّه تعالى إليها أنبياء مبشرين ومنذرين . وأن يكون إرسالهم وإثبات صدقهم طبقا لقانون المعجزات . لأن هذه المعجزات تقع في طريق هداية البشر والوصول إلى