السيد محمد الصدر

205

تاريخ الغيبة الصغرى

من ( الأرض ) كل القسم المسكون من البسيطة ، كما هو الظاهر من الكلمة والمعنى الواضح منها حملا للأم على الجنس بعد عدم وجود أي قرينة على انصرافها إلى أرض معينة . ومعنى حملها على الجنس : إن كل أرض على الاطلاق سوف تكون مشمولة لسلطة المؤمنين واستخلافهم وسيحكمون وجه البسيطة . وهذا هو المناسب مع الجمل المتأخرة في الآية الكريمة ، كقوله تعالى : وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ . فإن التمكين التام والاستقرار الحقيقي للدين ، لا يكون إلا عند سيادته في العالم أجمع . وكقوله تعالى : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً . . . بعد أن نعرف أن المؤمنين كانوا قبل الاستخلاف يعانون الخوف في كل مناطق العالم لسيادة الظلم والجور في العالم كله . فلا يكون الخوف قد تبدل إلى الأمن حقيقة إلا بعد أن تتم لهم السلطة على وجه البسيطة كلها . فإذا تمّ لنا من الآية ذلك ، ولاحظنا وجداننا الذي ذكرناه وهو أن هذا الوضع الاجتماعي العالمي الموعود ، لم يتحقق على مدى التاريخ منذ فجر البشرية إلى عصرنا الحاضر . إذن فهو مما سيتحقق في مستقبل الدهر يقينا طبقا للوعد الإلهي القطعي غير القابل للتخلف أو التمييع . الآية الثانية : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * « 1 » . وهي تعطينا بوضوح ، الغاية والغرض الرئيسي من إرسال رسول الاسلام صلى اللّه عليه وآله بالهدى ودين الحق . يدلنا على ذلك قوله تعالى ليظهره ، حيث دلت لام التعليل على الغاية ، والسبب في إنزال شريعة الاسلام وهو أن يظهره أي يجعله منتصرا ومسيطرا على غيره من الأديان والعقائد كلها . وذلك لا يكون إلا بسيطرة دين الحق على العالم كله . وإذا كان هذا غاية من إرسال الاسلام ، إذن فهو يقيني الحدوث في مستقبل الدهر . لأن الغايات الإلهية غير قابلة للتخلف .

--> ( 1 ) التوبة : 9 / 33 والصف : 61 / 9 وانظر سورة الفتح : 48 / 28 .