الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

206

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

من طىّ رجل واحد فسار خالد على تعبيته وطلب إليه عدى أن يجعل قومه مقدّمة أصحابه فقال يا أبا طريف انّ الامر قد اقترب وأنا أخاف ان أقدّم قومك فإذا لحمهم القتال انكشفوا فانكشف من معنا ولكن دعني أقدّم قوما صبرا لهم سوابق وثبات وهم من قومك * قال عدى الرأي ما رأيت فقدم المهاجرين والأنصار ولم يزل خالد يقدم طليعة منذ خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا به عند مواقيت الصلاة بالاذان لها فيكون ذلك أمانا لهم ودليلا على اسلامهم وانتهى خالد والمسلمون إلى طليحة وقد ضربت لطليحة قبة من أدم وأصحابه حوله معسكرون فانتهى خالد ممسيا فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة وخرج يسير على فرس معه نفر من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فوقف من عسكر طليحة غير بعيد ثم قال يخرج إليه طليحة فقال أصحابه لا تصغروا اسم نبينا وهو طلحة فخرج طلحة فوقف فقال خالد انّ من عهد خليفتنا إلينا أن ندعوك إلى اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله وأن تعود إلى ما خرجت منه فنقبل منك ونغمد سيوفنا عنك فقال يا خالد أنا أشهد أن لا إله الا اللّه وأنى رسول اللّه وانى نبىّ مرسل يأتيني ذو النون كما كان جبريل يأتي محمدا وقد كان ادّعى هذا في عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لقد ذكر ملكا عظيما في السماء يقال له ذو النون وكان عيينة بن حصن قد قال له لا ابا لك فهل أنت مرينا بعض نبوّتك فقد رأيت ورأينا ما كان يأتي محمدا قال نعم فبعث عيونا له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلا إليهم قبل أن يسمع بذكر خالد وقال إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بنى نضر بن قعين أتوكم من القوم بعين فهيئوا فارسين فبعثوهما فخرجا يركضان فلقيا عينا لخالد بن الوليد فقالا ما وراءك فقال هذا خالد بن الوليد في المسلمين قد أقبلوا فأتوا به إليه فزادهم فتنة وقال ألم أقل لكم فلما أبى طليحة على خالد أن يقرّ بما دعاه إليه انصرف إلى معسكره فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكيث بن زيد الخيل وعدىّ بن حاتم وكان لهما صدق نية ودين فباتا يحرسان في جماعة من المسلمين * فلما كان في السحر نهض خالد فعبى أصحابه ووضع ألويته مواضعها ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب فتقدّم بها وتقدّم ثابت بن قيس ابن شماس بلواء الأنصار وطلبت طىّ لواء يعقد لها فعقد خالد لواء ودفعه إلى عدىّ بن حاتم فلما سمع طليحة حركة القوم عبى أصحابه وجعل خالد يسوّى الصفوف على رجليه وطليحة يسوّى أصحابه على راحلته حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة فلما انتهى إليه خرج إليه طليحة بأربعين غلاما جلدا من جنوده مردا فأقامهم في الميمنة فقال اضربوا حتى تأتوا الميسرة فتضعضع الناس ولم يقتل أحد منهم ثم أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك وانهزم المسلمون فقال رجل من هوازن حضرهم يومئذ انّ خالدا لما كان ذلك قال يا معشر الأنصار اللّه اللّه واقتحم وسط القوم وكرّ علينا أصحابه فاختلطت الصفوف واختلفت السيوف بينهم وضرس خالد في القتال فجعل يقحم فرسه ويقولون له اللّه اللّه فإنك أمير القوم ولا ينبغي لك أن تقدم فيقول واللّه انى لا عرف ما تقولون ولكني واللّه ما رأيتني أصبر وأخاف هزيمة المسلمين * وفيما ذكر الكلبي عن بعض الطائيين أنه نادى يومئذ مناد من طىّ يعنى عندما حمل أولئك الأربعون غلاما على المسلمين يا خالد عليك سلمى وأجأ فقال بل إلى اللّه الملجأ قال ثم حمل فو اللّه ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد وقاتل خالد يومئذ بسيفين حتى قطعهما وترادّ الناس بعد الهزيمة واشتدّ القتال وأسر حبال بن أبي حبال فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبى بكر فقال اضربوا عنقي ولا تروني محمديكم هذا فضربوا عنقه * وذكر الواقدي عن ابن عمر قال نظرت إلى راية طليحة يومئذ حمراء يحملها رجل منهم لا يزول بها فترا فنظرت إلى خالد أتاه فحمل عليه فقتله فكانت هزيمتهم فنظرت إلى الراية تطؤها الخيل والإبل والرجال حتى تقطعت ولقد رأيته يوم طليحة يباشر