الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

81

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

رءوسها وقال اشربى استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته فحاجه قومه وجادلوه في دينه قال أتحاجوني في اللّه وقد هدان وخوّفوه من آلهتهم فقالوا له احذر الأصنام فانا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون بعيبك إياها فقال لهم ولا أخاف ما تشركون به وقال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل والصور يعنى الأصنام التي أنتم لها عاكفون مقيمون على عبادتها قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين فاقتدينا بهم قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين وخطائين بعبادتكم إياها قالوا له أجئتنا بالحق والجدّ أم أنت من اللاعبين الهازلين قال بل ربكم رب السماوات والأرض وخالقهنّ وتالله لاكيدنّ أصنامكم ولأمكرنّ بها بعد أن تولوا مدبرين أي تدبروا منطلقين إلى عيدكم * قال السدّى كان لهم في كل سنة عيد ومجمع وكانوا يدخلون على أصنامهم ويفرشون لهم الفرش ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم يزعمون التبرّك عليهم وإذا انصرفوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها وأكلوا الطعام ثم عادوا إلى منازلهم فلما كانت الليلة التي من غدها عيدهم قالوا لإبراهيم ألا تخرج معنا غدا إلى عيدنا فنظر إلى النجوم فقال إني سقيم * قال ابن عباس مطعون وكانوا يفرّون من الطاعون فرارا عظيما وكانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ويلزمهم الحجة في أنها غير معبودة فلما كان ذلك العيد من غد تلك الليلة قال أبو إبراهيم له يا إبراهيم لو خرجت معنا لي أعيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم قال ابن عباس اشتكى رجلىّ فتولوا عنه مدبرين إلى عيدهم فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي في ضعفة الناس تالله لاكيدنّ أصنامكم فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهنّ في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه صنم أصغر منه والأصنام بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو وإذا هم جعلوا طعاما ووضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وباركت الآلهة في طعامنا أكلنا فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم قال لهم على طريق الاستهزاء ألا تأكلون فلما لم تجبه قال ما لكم لا تنطقون فجعل يضربهنّ ويكسرهنّ بفأس في يده حتى جعلهم جذاذا وكسرهم قطعا فلما لم يبق الا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج وكانت اثنتين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من رصاص ومن حديد ومن خشب وحجر وكان الصنم الأكبر من الذهب مكلل بالجواهر وفي عينيه ياقوتتان تتقدان ولما أخبر القوم صنيع إبراهيم بآلهتهم رجعوا من عيدهم وأقبلوا إليه مسرعين ليأخذوه فلما دخلوا بيت الآلهة ورأوا الأصنام جذاذا قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين المجرمين قال الذين سمعوا قول إبراهيم وتاللّه لاكيدنّ أصنامكم سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قال مجاهد وقتادة لم يسمع ذلك القول من إبراهيم الا واحد منهم فأفشاه عليه فقال أنا سمعت فتى يذكرهم بالسوء ويعيبهم يقال له إبراهيم أظنّ أنه صنع هذا فبلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه قالوا فأتوا به وأحضروه على أعين الناس يعنى ظاهرا بمرأى منهم لعلهم يشهدون عليه بالذي فعل أو يحضرون عقابه وما يصنع به فلما أتوا به قالوا له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهنّ وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم والزامهم وقال لهم فاسألوهم ان كانوا ينطقون حتى يخبروا بمن فعل هذا فرجعوا إلى أنفسهم وعقولهم وتفكروا بقلوبهم فأجرى اللّه الحق على لسانهم فقالوا ما نراه الا كما قال إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم من لا يتكلم ثم أدركتم الشقاوة فرجعوا إلى حالتهم الأولى وقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فكيف نسألهم فلما اتجهت الحجة لإبراهيم قال أفتعبدون من دون اللّه ما لا ينفعكم شيئا ان عبدتموه ولا يضرّكم ان تركتم عبادته أليس لكم عقل