الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
39
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
قد اختلف في المراد بالروح في قوله ويسألونك عن الروح والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والاخلاط وتركيبها فهي جوهر بسيط مجرّد لا يحدث الا بمحدث وهو قوله تعالى كن فكان قال هي موجودة محدثة بأمر اللّه وتكوينه ولها تأثير في إفادة حياة الجسد ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه * قال في فتح الباري قد تنطع قوم وتباينت أقوالهم فقيل هي النفس الداخل الخارج وقيل جسم لطيف يحل في جميع البدن وقيل هي الدم وقد بلغت الأقوال فيها المائة ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبىّ خمسة أرواح ولكل مؤمن ثلاثة وقال ابن العربي اختلفوا في الروح والنفس فقيل متغايران وهو الحق وقيل هما شيء واحد * وعن وهب روى أنه لما تم تخمير طينة آدم وعدّلت أجزاؤه وسوّيت أعضاؤه أراد اللّه أن ينفخ فيه الروح فأمرها أن تدخل فيه فقالت الروح مدخل بعيد القعر مظلم فقال له ادخل ثانيا فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال له رابعا ادخل كرها واخرج كرها كذا في بحر العلوم * روى أن الروح أدخلت في جسد آدم الفخارى من قبل رأسه فكل عضو تحل فيه الروح حلولا سريانيا يصير لحما ودما ولما بلغت دماغه عطس فانتشرت فيه فنزلت لسانه وصدره فألهمه اللّه قوله الحمد للّه فقال اللّه يرحمك ربك يا آدم * قال جعفر بن محمد مكثت الروح في رأس آدم مائة عام وفي صدره مائة عام وفي ساقيه وقدميه مائة عام كذا في المواهب اللدنية * وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال لما بلغت الروح صدره ولم تتمكن فيه بعد أراد أن يقوم وفي رواية لما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ولما وصلت جوفه اشتهى الطعام فأراد أن يقوم إلى ثمار الجنة قبل أن تبلغ رجليه وذلك قوله تعالى خلق الانسان من عجل وهذه الرواية تشعر بأن خلق آدم كان في الجنة وقيل خلقه اللّه في آخر النهار يوم الجمعة فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس قال يا رب عجل خلقي قبل الليل فذلك قوله تعالى خلق الانسان من عجل * وفي المدارك وغيره العجل الطين بلغة حمير قال الشاعر في الصخرة الصماء منبته * والنخل تنبت بين الماء والعجل وفي بهجة الأنوار دخلت الروح في آدم من رجليه ويقال من دماغه فلما دخلت استدارت فيه مقدار مائتي عام ثم نزلت في عينيه قيل الحكمة فيه إرادة اللّه تعالى أن ينظر آدم إلى بدء خلقه وأصله حتى إذا تتابعت عليه الكرامات لا يدخله الزهو والعجب ثم نزلت الروح خياشيمه فعطس فقبل فراغ العطاس نزلت إلى فمه ولسانه ولقنه بالحمد للّه وذلك أوّل ما جرى على لسانه فأجابه ربه يرحمك اللّه يا آدم ثم نزلت إلى صدره وشراسيفه فعجل بالقيام فلم يتمكن وذلك قوله تعالى خلق الانسان من عجل فلما وصلت إلى جوفه اشتهى الطعام فهو أوّل حرص دخل في جسد آدم ثم انتشر الروح في جسده كله فصار لحما ودما وعروقا وعصبا ثم كساه لباسا من ظفر يزداد كل يوم حسنا فلما قارف الذنب بدّل هذا الظفر وبقيت منه بقية في أنامله ليتذكر بذلك أوّل حاله ولذلك إذا ضحك الانسان فنظر إلى ظفره نسي الضحك فلما أتم اللّه خلق آدم ونفخ فيه الروح قرطقه وشنفه وسوّره وألبسه من لباس الجنة وزينه بأنواع الزينة فخرج من ثناياه نور كشعاع الشمس ونور محمد صلّى اللّه عليه وسلم يلمع من جسده كالقمر ليلة البدر ثم رفعه على سرير وحمله على أكناف الملائكة وأدخله الجنة كما سيجيء * وفي بحر العلوم فلما نفخ الروح في آدم صار في رأسه وعينيه وأذنيه ولسانه ثم صار في جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع ليخرج من منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد للّه رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك اللّه ولذلك خلقتك فلما انتهى إلى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغت قدميه وثب فقال اللّه تعالى وكان الانسان عجولا فصار بشرا ودما وعظما وعروقا وعصبا واحشاء * ( ذكر عيسى ومريم ويحيى ) يقال إن اللّه تعالى خلق من نفسين نفسين