الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
227
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
فغلبونى على رأيي حتى انطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه قصته من أوّلها إلى آخرها قال دعيني أنا أسمع من الغلام فان الغلام أبصر بأمره منكم تكلم يا غلام قالت فقص ابني محمد قصته من أوّلها إلى آخرها فوثب الكاهن قائما على قدميه وضمه إلى صدره ونادى بأعلى صوته يا آل العرب يا آل العرب من شرّ قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه فإنكم ان تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفهنّ أحلامكم وليبدلنّ أديانكم وليعونكم إلى رب لا تعرفونه ودين تنكرونه * قالت فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت أنت أعته وأجنّ من ابني ولو علمت أن هذا يكون منك ما أتيتك به اطلب لنفسك من يقتلك فانا لا نقتل محمدا فاحتملته فأتيت به منزلي فما بقي يومئذ بيت في بنى سعد الّا وجد منه ريح المسك وكان ينقض عليه في كل يوم طيران أبيضان يغيبان في ثيابه ولا يظهران فلما رأى أبوه ذلك قال لي يا حليمة انا لا نأمن على هذا الغلام وخشيت عليه من تباع الكهنة فألحقيه بأهله قبل أن يصيبه عندنا شيء قالت فلما عزمت على ذلك سمعت صوتا في جوف الليل ينادى ذهب ربيع الخير وأمان بنى سعد هنيئا لبطحاء مكة إذا كان مثلك فيها يا محمد فالآن قد أمنت أن تخرب أو يصيبها بؤس بدخولك إليها يا خير البشر قالت فلما أصبحت ركبت اتاني ووضعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بين يدي فلم أكن أقدر مما كنت أنادى يمنة ويسرة حتى انتهيت إلى الباب الأعظم من أبواب مكة وعليه جماعة مجتمعون فنزلت لا قضى حاجتي وأنزلت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فغشيتني كالسحابة البيضاء وسمعت صوتا شديدا ففرعت وجعلت ألتفت يمنة ويسرة ونظرت فلم أر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فصحت يا معشر قريش الغلام الغلام قالوا وما الغلام قلت محمد ابن آمنة فجعلت أبكى وأنادى وا محمداه فبينا أنا كذلك إذا أنا بشيخ كبير قد استقبلني فقال لي مالك أيتها السعدية قلت إن لي لقصة عجيبة محمد ابن آمنة أرضعته ثلاث سنين لا أفارقه ليله ولا نهاره فعيشنى اللّه به وأنضر وجهي وجئت لأؤدّى إلى امّه الأمانة ليخرج من عهدي وأمانتي فاختلس منى اختلاسا قبل أن يمس قدمه الأرض فقال الشيخ لا تبكى أيتها السعدية ادخلي على هبل فتضرّعى إليه فلعله يردّه عليك فانّه القوى على ذلك العالم بأمره فقلت أيها الشيخ كأنك لم تشهد ولادة محمد ليلة ولد ما نزل باللات والعزى فقال لي أيتها السعدية انى أراك جزعة وأنا ادخل على هبل واذكر أمرك له فقد قطعت أكبادنا ببكائك ما لأحد من الناس على هذا صبر قالت فقعدت مكاني متحيرة ودخل الشيخ على هبل وعيناه تذرفان بالدموع فسجد له طويلا وطاف به أسبوعا ثم نادى يا عظيم المنّ يا قويا في الاموران منتك على قريش كثيرة وهذه السعدية مرضعة محمد تبكى قد قطع بكاؤها الانياط فان رأيت أن تردّه عليها ان شئت * قالت فارتج واللّه الصنم وتنكس ومشى على رأسه وسمعت منه صوتا يقول أيها الشيخ أنت في غرور ما لي ولمحمد وانما يكون هلاكنا على يديه وان رب محمد لم يكن ليضيعه بل يحفظه أبلغ عبدة الأوثان ان معه الذبح الأكبر الا أن يدخلوا في دينه قالت فخرج الشيخ فزعا مرعوبا تسمع لسنه قعقعة ولركبتيه اصطكاك قال لي يا حليمة ما رأيت من هبل مثل هذا قط فاطلبى ابنك انى لأرى ان يكون لهذا الغلام شأن عظيم قالت فقلت لنفسي كم تكتمين امره من عبد المطلب أخبريه الخبر قبل أن يأتيه من غيرك قالت فدخلت على عبد المطلب فلما نظر الىّ قال لي يا حليمة ما لي أراك جزعة باكية ولا أرى معك محمدا قالت فقلت يا أبا الحارث جئت بمحمد وهو أسر ما كان فلما صرت على الباب الأعظم من أبواب مكة نزلت لأقضي حاجتي فاختلس منى اختلاسا قبل ان يمس قدمه الأرض فقال لي اقعدى يا حليمة ثم علا الصفا فنادى يا آل غالب يعنى آل قريش فاجتمع إليه الرجال فقالوا له قل يا أبا الحارث فقد أجبناك قال لهم ان ابني محمدا فقد قالوا له فاركب يا أبا الحارث حتى نركب معك قالت فركب عبد المطلب وركب الناس معه فأخذ أعلا مكة وانحدر