الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

192

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

أسود الرأس طويل العنق فجاءت حتى إذا حاذت معسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم فلما توافت الرجال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب في كل حجر اسم صاحبه ثم إنها انصاغت راجعة من حيث جاءت فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا ربوة فلم يؤنسا أحدا ثم دنوا ربوة فلم يسمعا حسا فقال بات القوم سامدين فأصبحوا نياما فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون فكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه ويخرق الفيل والداية ويغيب الحجر في الأرض من شدّة وقعه فعمد عبد المطلب فأخذ فأسا من فوسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من الذهب الأحمر والجواهر وحفر لصاحبه فملأه ثم قال لأبي مسعود هات فاختر إن شئت حفرتي وان شئت حفرتك وان شئت فهما لك معا * فقال أبو مسعود اختر لي على نفسك فقال عبد المطلب انى لم أك اجعل أجود المتاع الا في حفرتي فهو لك وجلس كل واحد منهما على حفرته ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعا وساد عبد المطلب بذلك قريشا وأعطته المقادة فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ذلك المال ودفع اللّه عن كعبته * واختلفوا في تاريخ عام الفيل فقال مقاتل كان قبل مولد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بأربعين سنة * وقال الكلبي بثلاث وعشرين سنة والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم انتهى كلام معالم التنزيل * وفي الكشاف ان أهل مكة احتووا على أموالهم وإلى هذه القصة أشار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بقوله ان اللّه حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين قيل كان أبرهة هذا جدّ النجاشي الذي كان في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وكان مولد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بعد هلاك أصحاب الفيل بخمسين يوما وقيل غير ذلك كما سيجيء في تاريخ ولادته في الركن الاوّل * وعن عائشة رضى اللّه عنها قالت رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان * روى أنه أرسل اللّه سيلا فذهب بهم إلى البحر فلما هلك أبرهة ومزق الحبشة كل ممزق أقفر ما حول هذه الكنيسة وكثرت السباع حولها والحيات فلا يستطيع أحد أن يأخذ منها شيئا إلى زمان أبى العباس السفاح فذكروا له أمرها فبعث إليها أبا العباس بن الربيع عامله على اليمن ومعه أهل الحزم والجلادة فخربها وحصلوا منها مالا كثيرا ثم بعد ذلك عفار سمها وانقطع خبرها كذا في حياة الحيوان * مسير سيف بن ذي يزن إلى قيصر وكسرى وفي سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق فلما هلك أبرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبى مرّة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق فشكى إليه أمر الحبشة فبعثه النعمان مع وفده إلى كسرى فدخل عليه ثم قال أيها الملك غلبنا على بلادنا الاغربة قال كسرى أي الاغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرنى ويكون ملك بلادي لك * قال كسرى بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لا ورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة * فلما قبض ذلك سيف خرج فجعل ينثر ذلك الورق للناس فبلغ ذلك الملك فقال ان لهذا لشأنا ثم بعث إليه فقال له عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس فقال وما أصنع بهذا ما جبال أرضى التي جئت منها الا ذهبا وفضة يرغبه فيها فجمع كسرى مرازبته فقال ما ذا ترون في أمر هذا الرجل فقال قائل أيها الملك ان في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فان يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم وان يظفروا كان ملكا ازددته فبعث معه كسرى من كان في سجونه وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل