ابن سبعين

36

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

ولا ما روي عن أبي جحيفة قال : سألت عليّا رضي اللّه عنه : هل عندك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيء سوى القرآن ؟ فقال : « لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن وما في هذه الصحيفة » . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ الحديث ، ولا ما روي في البخاري : حدثنا إسماعيل قال : حدثني أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : « حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم » ، ولم يبلغهم مما ورد في كتاب اللّه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم مما يقرر اختصاص الحق سبحانه لمن شاء من عباده بما شاء من عطاياه ، سواء كان المعطى محسوسا أم معنويّا كالعلم باللّه والفهم في كتابه ، فراحوا ينكرون كل ما يجهلونه ، وكأنهم أحاطوا بما عند اللّه ، أو تحكموا على اللّه في ألا يعطي أحدا من خلقه إلا بعد أن يستأذنهم ، ولا يفهم أحدا في كتابه إلا بما فهموه هم بفهمهم السقيم لا غير ، فسبّوا ولعنوا أولياء اللّه ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [ النور : 15 ] ، وجعلوا يستشهدون بأقوال أهل الكفر المستشرقين الذين ما أرادوا بالإسلام والمسلمين خيرا قطّ على أئمة الهدى المسلمين ، فينسبون العلم اللدني الوارد ذكره في كتاب اللّه وفي سنة رسول اللّه تارة إلى المسيحية ، وتارة إلى الفلسفة اليونانية ، وأخرى إلى الاستنباطات العقلية تبعا لهؤلاء المستشرقين ، الذين أدركوا حقيقة علوم التصوف ، وما لها من العظمة بحيث يعجز غير المسلمين عن الإتيان بشيء منها ، وكيف لا وهي من السيد الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم متلقاة ، وأن التصوف الإسلامي منذ عهد الصحابة إلى الآن السبب الأقوى والفعّال في دخول جموع الناس في دين اللّه أفواجا ، وهذا ما يشهد به التاريخ ، فراحوا ينسبونها إلى أنفسهم أو إلى عقل وفكر كما مرّ محاولين بذلك التقليل من شأن العلم في قلوب المسلمين ، ولكن هيهات هيهات : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ الصف : 8 ] ببعض من النظريات التي يكذبها التاريخ ، وتأباها عظمة الدين الخاتم : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 104 ] .