ابن سبعين
35
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
« فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به « 1 » » . وحينئذ فربما صدرت منه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال ، وتعذر الكشف عنه بالمقال ، ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ، ونعترف بأن طريق غيرنا فيه العيان دون البرهان . الثاني : إن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيالات والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على الظاهر لا بطريق المخالطة والانضمام ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام ولا حلول هنا ولا اتحاد لعدم الاثنينية والغيرية انتهى على نقل شارح الإحياء واللّه أعلم . انتهى . [ مسألة الحلول والاتحاد ] قلت : مسألة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود قد كثر فيها الكلام من العالم والجاهل ، فكثر الكلام ، وتخبطت الآراء ، وتنازعت ، وبمجرد إطلاق لفظ وحدة الوجود يتوهم الجاهل القول بالحلول والاتحاد ، ونسبها ظلما وعدوانا الكثير من الجهلة قديما إلى سيدنا الشيخ الأكبر وأكابر الأولياء : كالشيخ سيدي عبد الكريم الجيلي ، والشيخ القوني ، والشيخ ابن سبعين ، والشيخ ابن الفارض ، وغيرهم رضي اللّه عن جميعهم ، وتبعهم على ذلك أتباعهم من المتأخرين . وإن شئت قلت : أعوانهم في تلك الجهالة ، وكان مدخلهم إلى هذه النسبة وتلك الاعتراضات وتجرؤهم على ما يجهلونه من علوم الأولياء نظرهم إلى علوم القوم باعتبار أنها علوم فلسفية ، مصدرها الفكر والعقل ، وكأنهم لم يسمعوا قول اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] ، ولا قوله تعالى : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، ولا قوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] ، ولا قوله تعالى : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [ آل عمران : 79 ] ، ولا قوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السجدة : 24 ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .