ابن سبعين
264
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
حلّ له من حرمة حرمه ، فدخل وعلى رأسه المغفر حربا ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم قد وضع ذقنه الكريمة على مقدمة رحله ؛ تواضعا للّه عزّ وجلّ « 1 » ، فتخلّى عن أسوأ الجلسة ؛ إظهارا لهيئة التواضع لصورة العبودية ، ولما خيّر بين أن يكون نبيّا عبدا أو يكون نبيّا ملكا اختار أن يكون نبيّا عبدا ، بما أن العبودية للخلق حق متحقق دائم خاصّ ، لم يتصف به الحقّ تعالى ، فكل اسم تسمّى به الحقّ فحقّ العبوديّة التخلّي عنه ؛ لأن ما تحلى به السيد فحق على العبد التخلّي عنه ، فالملك اسم تعال لا يتحقّق للعبد ، فاختار ما هو دائم ثابت عمّا هو زائل ذاهب ، حتى أن وصف الملك إنما يبدو أمره وكثره ساعة من نهار . كما قال الصادقون : إن ربّنا غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله « 2 » ، فلم يكن في الأسماء ما يتحقّق للعبد دواما وثباتا إلا العبد ، وما سواه اسم لظهور أمر في وقت من أيام اللّه ، كما أن الاسم العظيم ( اللّه ) الاسم الدائم القائم الذي لا يختصّ بمثل من الخلق ، وسائر أسمائه أسماء تظهر أمد الوقت . كما قيل : رحمان الدنيا ورحيم الآخرة ملك يوم الدين . فلما كان اسم ( اللّه ) العظيم هو الدائم تعين لإضافة ما هو به من أسماء الخلق ، وهو اسم العبد فكان اسم العبد راتبا له دائما عليه ، وكل اسم سواه خاصّ بحال أو وقت ، فكانت العبودية للعبد مورد متقابلاته ، فكان الماحي لاسمائه الثابت له دواما ، كما كان اسم اللّه المحيط بأسمائه الدائم له كمالا ، فالبادي عبد كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وكلنا لك عبد « 3 » » . وهو صلّى اللّه عليه وسلّم قلب ذلك العبد الذي منه مدده ظاهر جسمانيته وباطن روحانيته ، بما هو النور الأول الذي خلق من نوره كل كائن ، ولسانه المعبر عنه ، وإمامه المتقدم به ، وشفيعه الموصل إليه ، وجميع أسمائه متشعبة من أصل عبدانيته التي اختص بها اختصاص ربّه بالإلهيّة
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 655 ) ، وأبو داود ( 3 / 60 ) ، والترمذي ( 4 / 202 ) ، والنسائي في الكبرى ( 5 / 171 ) ، وأحمد ( 3 / 185 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1215 ) ، ومسلم ( 1 / 185 ) ، والترمذي ( 4 / 622 ) . ( 3 ) رواه الدارمي في السنن ( 2 / 412 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 1 / 142 ) .