ابن سبعين

265

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

واللاهوتيّة ، فلم يكن أثبت له في الأسماء من هذا الاسم ولا أتم إحاطة ، فالعبد باللّه قائم ، كما كان يقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أإنا بك ! « 1 » » . وكما قال لعليّ رضي اللّه عنه في نقش خاتمه : « نحن باللّه « 2 » » . فإذا نطق الناطق بهذا الاسم : ( عبد اللّه ) أحاط إحاطة كمال بالبادي العبدانيّ ، فدخل كل تفصيل في ضمن نطقه ومعناه وحقيقته ، كما انتظم اسم العظيم ( اللّه ) جميع أسمائه مما لا يناله الإحصاء ، كذلك اسمه ( العبد ) ينتظم من أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم مما لا يناله الإحصاء . كذلك كان يقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « قولوا : عبد اللّه « 3 » » ؛ ولأن سائر الأسماء التي هي من أوصاف تجلّيات اللّه عن اسمه مما يسلمها العبد إلى ربّه ؛ لأنها مشقوقة من أسماء اللّه وأوصافه ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا الذي شقّ اللّه اسمي من اسمه ، فاللّه محمود وأنا محمد ولا فخر « 4 » » ، وسائر أسمائه تفاضيل من معنى ما يجمعه له ( محمد ) إلا اسم ( العبد ) ؛ فإنه ليس له بمشوق من اسم من أسماء اللّه تعالى ، فكان أصل كل اسم له ، فأسلم اللّه ما سواه أداء لأمانته ، فكذلك كان يقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تضرّوني كما أضرّت النصارى عيسى ، ولكن قولوا : عبد اللّه « 5 » » ، فاستثبت ما هو ثابت ، وأسلم للّه ما هو له لا لسواه ، وليس للعبد إلا اسم العبد وللّه كل شيء ، فعبد اللّه اسم ملء وإحاطة لا يدع شيئا ، ولذلك أحبّ الأسماء إلى اللّه ( عبد اللّه ) ، و ( عبد اللّه ) لا يتطرق إليه تعبد لشيء سواه بما حجب الخلق وأبق بهم عن استخلاص العبودية للّه ، حتى لم يصحّ كمالا إلا لعبد اللّه محمد رسول اللّه ؛ لأن من رغب في شيء فقد عبده وصار عبده ، والمرء رقّ ما استولى عليه أمر من أمر الدنيا أو أمر من أمر الآخرة أو أمر مما سوى اللّه ، فهو عبد ذلك الشيء لا عبد اللّه ، حتى يكون كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعس عبد الديا نار وعبد الدّرهم وعبد الخميصة « 6 » » .

--> ( 1 ) رواه أبو يعلى في مسنده ( 1 / 433 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) تقدم تخريجه . ( 5 ) تقدم تخريجه . ( 6 ) رواه البخاري ( 3 / 1057 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1386 ) ، والبيهقي في الشعب ( 4 / 41 ) .