ابن سبعين

263

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد « 1 » » ، فبحسب ظهور التذلل في التصرفات والأوصاف والأحوال تتحقق العبودية ، فيتحقّق القرب والدنوّ لمقابلة من العلوّ ، من حيث إن أقرب قريب لا طرف منظر فيما يقابله من الطرف الآخر ؛ ليظهر معنى من الختم لالتقاء الطرفين . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يزال اللّه من العبد والعبد من اللّه ما لم يخدم ، فإذا أخدم وقع عليه الحساب « 2 » » ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخدم في مهنة أهله ، ويقم البيت ، ويرقّع القميص ، ويخصف النعل ، ويتولّى علف فرسه بيده ، ويناول السائل بيده ، ويضع يده مع الخادم في الطحين ، ويجلس للأكل جلوس العبد كجلوسه في الصلاة ؛ لتكون هيئته في تعبّده في صلاته وفي أكله هيئة واحدة ، فيكون دائم العبودية غير منصرف عنها ، ولما قيل له في ذلك قال : « إنما أنا عبد ، آكل كما يأكل العبد « 3 » » . وقيل له مرة : أتأكل كما يأكل العبد ؟ ! فقال : « وأيّ عبد أعبد منّي « 4 » » . فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يتخلّى عن وجوه الترفعات كلها في ملبسه ومطعمه ومشربه ومبيته ومسكنه ؛ إظهارا لظاهر العبودية فيما يناله العيان منه صدقا عمّا في باطنه من تحقّق العبودية لربّه بما هو بمعنى الذي جاء بالصدق وصدق به ، وكان يظهر ذلك في أحوال ما يغلب عليه وصف العزة تحقيقا للعبودية وتخليا للعليّ الحقّ . دخل صلّى اللّه عليه وسلّم مكة عام الفتح حين أحلّ اللّه له ما لم يحل لأحد قبله ولا يحله لأحد بعده بما

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 350 ) ، وأبو داود ( 1 / 231 ) ، والنسائي في الكبرى ( 1 / 242 ) ، وأحمد ( 2 / 421 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 6 / 71 ) ، وابن أبي عاصم في الزهد ( 1 / 196 ) . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 3 / 92 ) ، والبيهقي في الشعب ( 7 / 380 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 215 ) ، ومعمر بن راشد في مسنده ( 11 / 97 ) . ( 3 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 7 / 283 ) ، وهناد في الزهد ( 2 / 411 ) ، والديلمي في الفردوس ( 1 / 341 ) ، وابن سعد في الطبقات ( 1 / 371 ) . ( 4 ) رواه الطبراني في الكبير ( 8 / 200 ) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 9 / 21 ) .