ابن سبعين
203
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
فاستقيت ، وشربت ، وجئت بها إلى أصحابي فشربوا ، وأعلمتهم بالقصة فمضوا إلى المكان ؛ ليستقوا منه ، فلم يجدوا ماء ولا أثرا لماء ، قلت : إنها آية . وحكي عن بعض الأخيار : أنه عطش في طريق الحج ، فدار في الركب من أوله إلى آخره في طلب الماء ، فلم يحصل له شيء ، وإذا بفقير قد ركّز عكازه في ساقية بركة ، والماء ينبع من تحت العكاز ، ويجري إلى البركة ، فملأ قربته ، وأعلم الحاجّ ، فاستقوا منها ، وتركوها وهي تطفح ، وحكاياتهم من هذا النوع لا يمكن حصرها ، وقصدنا التنبيه عليها والإشارة إليها . النوع الثامن : كلام الجمادات والحيوانات لهم : من ذلك الحكاية المشهورة في مخاطبة شجرة الرمان لإبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس ، وقولها : يا أبا إسحاق ، أكرمنا بأن تأكل منّا شيئا ، قالت ذلك ثلاث مرات ، وكانت شجرة قصيرة ، ورمانها حامض ، وتحمل في السنة مرة ، فلما أكل منها صارت طويلة ، ورمانها حلوا ، وتحمل في السّنة مرتين ، فسمّوها رمانة العابدين ، ويأوي إلى ظلّها العابدون . قال الشبلي : اعتقدت وقتا ألا آكل إلا من الحلال ، فكنت أدور في البراري ، فرأيت شجرة تين ، فمددت يدي إليها لآكل منها ، فنادتني الشجرة : احفظ عليك عقدك ولا تأكل منّي ؛ فإني ليهوديّ . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي : بينما أنا أسير على بعض السواحل إذ خاطبتني حشيشة : أنا شفاء هذا المرض الذي بك . فلم أتناول منها ولم استعملها . وعن بعضهم : أنه قال : كلّمني جمل في طريق مكة لما رأيت الجمال والمحامل عليها وقد مدت أعناقها في الليل ، فقلت : سبحان من تحمّل عنها ما هي فيه ، فالتفت إليّ جمل ، وقال لي : قل : جلّ اللّه ، فقلت : جلّ اللّه . وعن بعضهم : أنه كان يضرب رأس حمار كان تحته ، فرفع الحمار رأسه ، وقال : اضرب أو لا تضرب ؛ فإنما تضرب على رأسك . ولا يستنكر هذا ؛ فقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح بكلام البقرة التي كلّمت