ابن سبعين

185

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

والفقراء الصادقين وسائر الأولياء والصالحين من الكرامات المستفيضات ، الصادرات عن العيان والمشاهدات ، ما طبق الآفاق ، وملأ جميع البلاد ، وعجزت الدفاتر عن اليسير منه في الحصر والتّعداد ، وأمّا كثرة ظهور الكرامات واشتهارها بعد زمن الصحابة وزيادتها على ما كان في زمانهم فالجواب عن ذلك ما أجاب به الإمام أحمد لما قيل له : يا أبا عبد اللّه ، إنّ الصحابة لم يرو عنهم مثلما قد روي عن الأولياء والصالحين ، فكيف هذا ؟ ! فقال : أولئك كان إيمانهم قويّا ، فما احتاجوا إلى زيادة شيء يتقوون به ، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفا لم يبلغوا إيمان أولئك ، فقووا بإظهار الكرامات . وكذلك قال الشيخ شهاب الدين السهروردي : وخرق العادة إنما يكاشف به لموضع ضعف يقين المكاشف رحمة من اللّه تعالى على عباده العبّاد ، وثوابا معجّلا لهم ، وفوق هؤلاء قوم ارتفعت الحجب من قلوبهم ، وباشر بواطنهم نور اليقين ، وصدق المعرفة ، فلا حاجة لهم إلى مدد من المخرقات ، ورؤية القدر والآيات ، ولهذا ما نقل عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كثير من ذلك إلا القليل ، ونقل عن المتأخرين من المشايخ والصادقين أكثر ؛ لأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لبركة صحبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومجاورة نزول الوحي وتردّد الملائكة وهبوطها تنوّرت بواطنهم ، وعاينوا الآخرة ، وزهدوا في الدنيا وتزكّت نفوسهم ، وانخلعت عاداتهم ، وانصقلت مرايا قلوبهم ، فاستغنوا بما أعطوا من رؤية الكرامة ، واستماع أنوار القدرة . قال اليافعي : وأيضا فهذه الكرامات من الكشف وغيره أنوار ، والأنوار إنما يظهر حسن بهائها في الظلمة ، فأما الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين فكلّهم أنوار ليس فيهم ظلمة ؛ لتوهّج ضياء شمس النبوة عليهم ، وكمال محاسنهم ، ثم أن الشمس إذا غربت تظهر الظلمة عقيب غروبها ولا تظهر إلا الكواكب الكبار ، فكلما تغرب عن الأفق تكثر الظلمة ، فتظهر سائر الكواكب إلى أن يظهر فجر الوعيد ، وأيضا الصحابة كانوا أهل حقّ ، وسنّة ، وطاعة ، وعدل ، ومعروف ، ثم ظهر بعدهم عكس ذلك من الباطل والبدع ، والمعاصي ، والظلم ، والمنكر ، فبثّ اللّه تعالى في سائر البلدان رجالا قلّدهم سيوفا ماضيات تقطع أعناق المنكرين عليهم .