ابن سبعين

134

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

وحديث : « فأخذ بحلقي « 1 » » : أي ضمني وخنقني ، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده بسند حسن . وأما الكشف فأجمع العارفون باللّه على إثباته كشفا وشهودا خلافا لمن أنكره مستدلا على إنكاره بطريق النظر والعقل ، ثم هو عند من أثبته قسمان : قسم يشترط في إدراكه القوة المتخيلة ، المتصلة بنشأة الإنسان ، فلا يدرك إلا بها ، ويذهب بذهابها ، ويسمّى مثالا مقيّدا ، ومثالا متصلا ، وهو نوعان : نوع مقيد بالنوع ، ونوع غير مقيّد به ، ولكنه مشروط بحصول غيبة وفتور ما في الحس ، كما في الواقعات المشهورات للصوفية ، وأول ما يراه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الوحي إنما هو الصور المثالية المرئية في النوم والخيال ، ثم يترقون إلى رؤية الملك في المثال المطلق أو المقيد في غير حال النوم ، لكن مع فتور في الحس . وقسم لا يشترط فيه ذلك ، أعني القوة المتخيلة ، فيحصل بدونها ، ولا يذهب بذهابها ، ويسمّى مثالا مطلقا ، ومثالا منفصلا ، وهو حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني والصور ، فتجدها بخاصيتها لا يكون غير ذلك . ومن هذا القسم الثاني وهو المطلق الصور المرئية في المرايا ونحوها من الأجسام الصقيلة ، وتشكل الملك كجبريل عليه السّلام بمثل صورة دحية الكلبي أو غيره ، والأنبياء والأولياء بمثل أشكالهم العنصرية ، وتصور الأعمال الصالحة بصور حسنة جميلة ، والسيئة بصور ظلمانية قبيحة ، والأنبياء والكمّل أكثر ما يرون الأشياء ويشاهدونها في حضرة المثال المطلق ، وكل ما يرى فيها لا بدّ أن يكون حقّا مطابقا للواقع : أي للصورة الخارجية من غير اختلال ، ومن ثم لا يحتاج فيها إلى تعبير بخلاف حضرة المثال المقيد ، فشأنها أن يعبر عن الصورة الممثلة فيها إلى المعاني المقصودة منها ، فمن ثم تحتاج إلى التعبير في الغالب ، وهو الجواز من صورة ما رأى إلى أمر آخر ، وهو المعنى المراد بها .

--> ( 1 ) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ( ص 215 ، 216 ) .