ابن سبعين

133

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

« وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول « 1 » » . واستدلّ البيهقي لذلك بما أخرجه الشيخان عن عائشة أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ ، فيفصم عنّى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول » . قالت عائشة رضي اللّه عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصد عرقا « 2 » . فهذا الحديث ونحوه صريح في أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينتقل من حالته المعروفة إلى حالة تستلزم الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيوية ، حتى ينتهي الوحي ويفارقه الملك . قال السراج بن البلقيني : هي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت ، فهو مقام برزخيّ يحصل له عند تلقّي الوحي ، ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال ، خصّ اللّه نبيه ببرزخ في الحياة يلقي اللّه فيه وحيه ، المشتمل على كثير من الأسرار ، وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره ، اطّلاع على كثير من الأسرار ، وذلك مستمدّ من المقام النبوي ، ويشهد له حديث : « رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة « 3 » » انتهى . ويشهد له حديث مجيء الملك بسورة ( اقرأ ) حيث قال : « فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد « 4 » » : أي بلغ الغط مني غاية وسعي . ومنه الغط في الماء ، وكأنه أراد ضمني وعصرني ، أخرجه الشيخان .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3043 ) ، ومسلم ( 2333 ) ، والترمذي ( 3634 ) ، والنسائي ( 2 / 147 ) ، ومالك في الموطأ ( 1 / 202 ) ، وأحمد في المسند ( 6 / 158 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 2 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 9 / 38 ) ، ومسلم ( 7 / 52 ) ، وأبو داود ( 4 / 416 ) والترمذي ( 9 / 123 ) . ( 4 ) رواه البخاري ( 1 / 22 ) ، ومسلم ( 1 / 97 ) .